قال الله تعالى: {إِنَّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِه وَيُرِيدُونَ أَنْ يفُرِّقوا بْينَ اللهِ ورُسُلِه وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ ببِعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضِ وَيُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاَ أُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، حَقا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً * وَالّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غفُوراً رَحِيماً} [النساء: 150 - 152] ، وقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمنُونَ كُل آمَنَ بِاللهَ مَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِه لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه} [البقرة: 285] .
فنقول للمغضوب عليه: هل رأيت موسى وعاينت معجزاته؟ فبالضرورة يقول: لا.
فنقول له: بأي شيء عرفت نبوته وصدقه؟
فله جوابان.
أحدهما: أن يقول: أبي عرفني ذلك، وأخبرني به.
والثاني: أن يقول: التواتر وشهادات الأمم حقق ذلك عندي، كما حققت شهادتهم وجود البلاد النائية، والبحار، والأنهار المعروفة وإن لم أشاهدها.
فإن اختار الجواب الأول، وقال: إن شهادة أبي وإخباره إياي بنبوة موسى هي سبب تصديقى بنبوته.
قلنا له: ولم كان أبوك عندك صادقا في ذلك، معصوماً عن الكذب؟ وأنت ترى الكفار يعلمهم آباؤهم ما هو كفر عندك. فإذا كنت ترى الأديان الباطلة، والمذاهب الفاسدة، قد أخذها أربابها عن آبائهم كأخذك مذهبك عن أبيك، وأنت تعلم أن الذي هم عليه ضلال. فلزمك أن تبحث ما أخذته عن أبيك، خوفا أن تكون هذه حاله.
فإن قال: إن الذي أخذته عن أبي أصح من الذي أخذه الناس عن آبائهم، كفاه معارضة غيره له بمثل قوله.
فإن قال: أبي أصدق من آبائهم وأعرف وأفضل، عارضه سائر الناس في آبائهم بنظير ذلك.
فإن قال: أنا أعرف حال أبي، ولا أعرف حال غيره.
قيل له: فما يؤمنك أن يكون غير أبيك أصدق من أبيك، وأصدق وأعرف؟.
وبكل حال. فإن كان تقليد أبيه حجة صحيحة، كان تقليد غيره لأبيه كذلك. وإن كان ذلك باطلا، كان تقليده لأبيه باطلا.
فإن رجع عن هذا الجواب واختار الجواب الثاني، وقال: إنما علمت نبوة موسى بالتواتر قرنا بعد قرن. فإنهم أخبروا بظهوره وبمعجزاته وآياته وبراهين نبوته التي تضطرنى إلى تصديقه.