فَالْمُكَذِّبُ بِدَعْوَتِهِ مُكَذِّبٌ بِدَعْوَةِ إِخْوَانِهِ كُلِّهِمْ، فَإِنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ جَاءُوا بِمَا جَاءَ بِهِ، فَإِذَا كَذَّبَهُ الْمُكَذِّبُ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ بَاطِلًا، وَفِي ذَلِكَ تَكْذِيبُ كُلِّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ، وَكُلُّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ صِدْقٌ، وَأَنَّهُ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا بِالْحَقِّ فَصَدَّقَهُمُ الْخَصْمُ، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ شُهُودٌ عُدُولٌ صَادِقُونَ، ثُمَّ شَهِدَ آخَرُ عَلَى شَهَادَتِهِمْ سَوَاءٌ، فَقَالَ الْخَصْمُ: هَذِهِ الشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ وَكَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهَا، فَذَلِكَ تَكْذِيبٌ بِشَهَادَةِ جَمِيعِ الشُّهُودِ قَطْعًا، وَلَا يُنْجِيهِ مِنْ تَكْذِيبِهِمِ اعْتِرَافُهُ بِصِحَّةِ شَهَادَتِهِمْ، وَأَنَّهَا شَهَادَةُ حَقٍّ، وَأَنَّ الشَّاهِدَ بِهَا كَاذِبٌ فِيمَا شَهِدَ بِهِ.
وَكَمَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَطَلَتْ نُبُوَّاتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، فَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يُصَدَّقْ لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقُ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ.
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) : أَنَّ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينَ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ آيَاتِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَلَيْسَ لِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ آيَةٌ تُوجِبُ الْإِيمَانَ بِهِ إِلَّا وَلِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهَا، أَوْ مَا هُوَ فِي الدَّلَالَةِ مِثْلُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهَا.