وقال مالكٌ، عن ربيعة: قال سعيدُ بن جُبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهَى عن المنكرِ حتى لا يكونَ فيه شيء، ما أَمَرَ أحدٌ بمعروفٍ ولا نَهَى عن مُنْكرٍ.
قال مالكٌ: وصدَقَ، ومَن ذا الذي ليس فيه شيءُ؟!
مَنْ ذا الَّذي ماساءَ قَطْ... ومَنْ لَهُ الحُسْنَى فَقَطْ
خطب عُمَرُ بنُ عبد العزيز - رحمه الله - يومًا، فقال في موعظته: إنِّي
لأقُولُ هذه المقالَةَ وما أعلمُ عند أحدٍ من الذُّنوبِ أكثرَ ممَّا أعلمُ عنْدِي.
فأستغفِرُ اللَّهَ وأتوبُ إليه.
وكتبَ إلى بعض نوَّابِهِ على بعضِ الأمصار كتابًا يعِظُهُ فيه، فقال في آخره: وإنِّي لأعِظُكَ بهذا، وإنِّي لكثيرُ الإسْرافِ على نَفْسِي، غيرُ مُحكم لكثيرٍ من أمْرِي، ولو أن المرءَ لا يعظُ أخاهُ حتى يُحكمَ
نفسهُ إذًا لتواكلَ الناسُ الخيرَ، وإذاً لرُفِعَ الأمر بالمعروفِ والنَهْيُ عن المُنْكَرِ.
وإذاً لاستُحِلَّتِ المَحارِمُ، وقَلَّ الواعِظُونَ والسَّاعون للَّه بالنصِيحةِ في
الأرض، فإنَّ الشيطان وأعوانَه يَودُّون أن لا يأمُرَ أَحدٌ بمعروف ولا يَنْهَى عن
مُنْكَرٍ، وإذا أمَرَهُم أحدٌ أو نَهاهُم، عَابُوه بما فيهِ وبما ليس فيه.
كما قيل:
وأُعْلِنَتِ الفواحِشُ في البوادِي... وصارَ النَّاسُ أعْوَانَ المريبِ
إذا ما عِبْتُهُم عَابُوا مَقَالِي... لِما في القَوْمِ مِن تلكَ العُيوبِ
وَوَدُّوا لو كَفَفنا فاسْتَوَيْنا... فصَارَ النَّاسُ كالشيءِ المشوبِ
وكنَّا نَسْتَطِبُّ إذا مَرِضْنَا... فصارَ هلاكُنا بيدِ الطَّبِيبِ
قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)
عيسى آخِرُ أنبياءِ بني إسرائيلَ، وقد قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) .
وقد كان المسيحُ - عليه السَّلامُ - يحُضُّ على اتَباعِهِ، ويقول إنَّه يُبعَثُ
بالسَّيفِ، فلا يمنعنَّكُم ذلك منه.