اعلم أن الله تعالى أودع اللطيفة الخفية في جميع الأشياء، ولكنها مستكنة مستورة بأستار وحجب مما لا يجب ردها ورباها في أطوار التراكيب حتى وصلت إلى تركيب هو أعدل التراكيب، وهو القلب فصارت نطفة اللطيفة الخفية في طهر اللطيفة القلبية مستعدة، إذا وجدت لطيفة قابلة لها يدع فيها؛ فأرسل الله الإرادية لتكون قابلة لتلك النطفة، فإذا شاهدت اللطيفة القلبية استعداد قابليتها أودعت فيها النطفة ورباها الله في رحم الإرادة مدة مديدة ورقاها برقاها حتى وصلت إلى حضرة الحق فأمرها بالرجوع إلى العوالم التي عبرت عليها لتنذر أهلها وتبشر أممها فهو خاتم اللطائف والمقصود من إيجاد الكل ولأجل هذا أشار إليه أن {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [النساء: 125] {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135] والزيادة على هذا الكشف منتهي لأن سره من أسرار مطلع القرآن {إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ} يعني: أنتم إذا دخلتم في متابعة اللطيفة ينبغي ألا تلتفتوا إلى أرحامكم وأولادكم ويقولوا ألقوا ما قالت اللطيفة القلبية وقواها لآبائهم {وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} [الممتحنة: 4] يعني: يقولون إنا براء ممنكم ومن آلهة هواكم {كَفَرْنَا بِكُمْ} [الممتحنة: 4] وبآلهتكم {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ} [الممتحنة: 4] الخفية {وَالْبَغْضَآءُ} [الممتحنة: 4] لله تعالى {أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] وتتركوا آلهتكم وترجعوا عن شركائكم وتتبعوا أسوة إبراهيم {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة: 4] قبل أن جاءه الوارد وأعلمه أن أباه لم يدخل دين الحق يعني: يجب عليكم متابعة اللطيفة القلبية إلا في قولها قبل وقوفها على أمر اللطيفة الروحية المستكبرة المرساة في تراب الطبيعة التابعة للقوى القالبية {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} فلما تبين