وفي قوله: {وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] . الإيثار على النفس: تقديم الغير عليها مع الحاجة ، والخصاصة: التي تختل بها الحال ، وأصلها من الاختصاص ، وهو الانفراد في الأمر.
فالخصاصةالأنفراد بالحاجة أي ولو كان بهم فاقة وحاجة. ومنه قول الشاعر:
أما الربيع إذا تكون خصاصة... عاش السقيم به وأثرى المقتر
وهل يصح الإيثار من كل إنسان ول كان ذا عيال أو تلزمه نفقة غيره أم لا؟ وما علاقته مع قوله {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو} [البقرة: 213] ؟
والجواب على هذا كله في كلام الشيخ رحمه الله على قوله تعالى: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] في أول سورة البقرة.
قال - رحمه الله: قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} ، عبر في هذه الآية الكريمة بمن التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله لا كله ، ولم يبين هنا القدر الَّذي ينبغي إنفاقه ، والذي ينبغي إمساكه ، ولكنه بين في مواضع أخرى أن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد على الحاجة ، وسد الخلَّة التي لا بد منها ، وذلك كقوله: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو} ، والمراد بالعفو الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات ، وهو مذهب الجمهور ومنه قوله تعالى: {حتى عَفَوْاْ} [الأعراف: 196] أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم.
وقال بعض العلماء: العفو نقيض الجهد ، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع.
ومنه قول الشاعر:
خذي العفو مني تستديمي مودتي... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب