[آل عمران: 185] فالزحزحة عن النار في ذاتها نعمة، لذلك ضُرب الصراط على متن جهنم، فلا بد لمن يمر عليه أنْ يرى جهنم بعينه
{ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [التكاثر: 7] .
وهذا يُشعرك بعظمة الإيمان، وأنه النعمة الكبرى لأنه نجانا من هذه النار وأدخلنا الجنة، والعمل الصالح هو الذي أخذ بيدك وتجاوز بك هذه العقبة.
واقرأ:
{وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] فمطلق الإنسان في خُسْر لا يستثنى منهم، ولا ينجو إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
والتواصي بالحق يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالصبر يدل على أن هذا الطريق محفوفٌ بالمخاطر، ويحتاج منك إلى صبر على الأذى من الخصوم ومن المعارضين فالنصح ثقيل.
وكلمة
{وَتَوَاصَوْاْ .. } [العصر: 3] تعني أن الكلَّ يوصي، ففيها استمرارية ومداومة وعدم يأس، لأن المعارض الذي تنصحه قد يصبر هو أيضاً ويتمادى، فعليك أنْ تغالبه في الصبر، وهذا معنى قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ .. } [آل عمران: 200] .
ووعد الله هو الوعد الحق الذي لا يتخلف، لماذا؟ لأنه وعد ممَّنْ يملك كلَّ أسباب الوفاء ولا يعوقه عن الوفاء شيء ولا يمنعه مانع، ولأنه سبحانه الحق الذي لا يتبدّل ولا يتغيّر ولا يتحول، فمَنْ إذن يحول دونه ودون تحقيق وعده؟
فهو سبحانه الإله الواحد الأحد الذي لا شريك له في مُلكه، ولا منازعَ له في سلطانه، وهو القوي، فلا توجد قوة أخرى تمنعه. أما الوعد من البشر فقد لا يتحقق لأنَّ الإنسان لا يملك كلَّ أسباب الوفاء، وهو أهل أغيار وتقلُّب.
لذلك يقول سبحانه:
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ .. } [الرعد: 11] .
إذن: نقول إن الحق سبحانه ثابت لا يتغير من أجلنا، لكن علينا نحن أنْ نغير من أنفسنا من أجله تعالى.
وكلمة {مَّغْفِرَةً .. } [الفتح: 29] تعني: أن الخالق سبحانه وهو أعلم بخَلْقه علم أننا خطاءون كثيرو النسيان كثيرو الجهل، لكن هذا كله مُتوقع منا، ولا ينبغي أنْ يُيئسنا من رحمة الله لأنه هو الذي خلقنا على هذه الصورة، وهو الذي تكفّل لنا بالمغفرة، وما علينا نحن إلا أنْ نطرق أبوابها
{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] . انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ} ...