وقوله تعالى: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ..} [الفتح: 29] هذه هي علة كونهم أشداء على الكفار ورحماء بينهم، وكوْنهم يحافظون على الركوع والسجود، أي: يفعلون هذا ابتغاء فضل الله وطمعاً في رضوان الله عنهم.
وهذا قمة الإخلاص في الأعمال، فهدفهم من العمل وجه الله لا ينظرون إلى غيره، لماذا؟ لأنهم يحسبون حساب هذا اليوم الذي سيقفون فيه أمام الله، ولا يجدون غير الله يحاسبهم ويجازيهم.
لذلك قلنا في العلماء والمخترعين الذين خدموا البشرية بأعمالهم الحسنة ومع ذلك لا نصيبَ لهم في الآخرة، لأنهم ما عملوا لله إنما للبشرية وللحضارة.
لذلك قال الله عنهم:
{وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39] فُوجئ بالإله الحق الذي لم يكُنْ في باله هو الذي يحاسبه، وهو الذي يجازيه.
ومن علامات هؤلاء المؤمنين أيضاً {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ..} [الفتح: 29] سيماهم أي علامتهم المميزة لهم هي الأثر الذي يتركه السجود في جبهة الإنسان والتي نسميها زبيبة الصلاة.
فالخالق سبحانه لم يخلق البشر في الكون على قالب واحد، إنما لكل إنسان قالبه الخاص به، والذي لا يتطابق مع قالب آخر على كثرة الخَلْق، وهذه من طلاقة القدرة في عملية الخَلْق، فالناس مختلفون في الطول والقِصَر والعرض واللون والملامح .. إلخ.
لكن الصفة المميزة لجميع المؤمنين الذين وصفهم الله بهذه الصفات، {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ..} [الفتح: 29] وهذه العلامة يلازمها نور في الوجه وبشاشة نلاحظها على وجه المؤمن، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
وكثيرون منّا يجد لذة في إطالة السجود، ويجد فيه أنْساً بالله فيعتاد ذلك، فتظهر هذه العلامة على جبهته إلى جانب هذا النور والإشراق الذي يبدو على وجهه.
وتستطيع أنْ تلاحظ هذا إذا قارنت بين رجل قضى ليله في الشرب والخلاعة والاستهتار، وآخر قضى ليله في عبادة الله وتسبيحه.
وهذه الوجوه تأتي هكذا
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} [عبس: 38 - 42] .