أما الأول: فلأنه يفيد أن جميع ما تشاؤه موجود مبذول لك منه ، والثاني يفيد إن ما شئت عنده مبذول لا جميع ما تشاؤه ، وأما الثاني: فلأنك وصفته بأنه يبذل جميع المرادات ، وفي الثاني وصفته بأن ما شئت عنده مبذول لك إما منه وإما من غيره ثم في الأول مبالغة في تحقيق ذلك وثبوته كما تقول: لي عندك وقبلك كذا ، فالله تعالى شأنه أخبر بأن ذلك حق لهم ثابت مقضي في ذمة فضله سبحانه ولا كذلك في الثاني ، ثم قال: ولعل الأوجه أن يجعل {كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ} خبراً آخر أي الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند ربهم في روضات الجنات لهم فيها ما يشاؤن ، وإنما أخر توخياً لسلوك طريق المبالغة في الترقي من الأدنى إلى الأعلى ومراعاة لترتيب الوجود أيضاً فإن الوافد والضيف ينزل في أنزه موضع ثم يحضر بين يديه الذي يشتهيه ؛ وملاك ذلك كله أن يختصه رب المنزل بالقرب والكرامة ، وأن جعله حالاً من فاعل يشاؤن أو من المجرور في {لَهُمْ} أفاد هذا المعنى أيضاً لكنه يقصر عما آثرناه لأنه قد أتى به إتيان الفضلة وهو مقصود بذاته عمدة ، ولعمري أن ما آثره حسن معنى إلا أبعد لفظاً مما آثره جار الله ، ولا يخفى عليك ما هو الأنسب بالتنزيل.
وفي"الخبر"عن أبي ظبية قال: إن السرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة فتقول: ماأمطركم؟ فما يدعو داع من القوم إلا أمطرته حتى أن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباف {ذلك} إشارة إلى ما ذكر من حال المؤمنين ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلة المشار إليه {هُوَ الفضل الكبير} الذي لا يقدر قدره ولا تبلغ غايته ويصغر دونه ما لغيرهم في الدنيا.
ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ