وقوله: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} [سورة المدثر: 49] يريد قريشاً؛ فإن السورة مكية، وهي من أول ما نزل، وقد كانوا في جاهليتهم يفجؤهم الإنذار بما أعده الله للمجرمين من عذاب النار، فلم يرفعوا لذلك رأساً، ولم يروا بما هم عليه من الفقر بأساً، بل أعرضوا عن الذكر، وخاضوا مع الخائضين في الباطل، كذبوا بيوم الدين، وطعنوا على سيد المرسلين، فقالوا: شاعر، ساحر، به جِنَّة، أساطير الأولين، لا تسمعوا لهذا القرآن، والغوا فيه، وغير ذلك.
وكذلك فسرت: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} [سورة المدثر: 45] .
وقال قتادة في الآية: يقولون: كنا كما غوى غاوٍ غوينا معه. رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة.
وروى ابن أبي الدنيا في"الصمت"، والطبراني بسند صحيح، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: أعظم الناس خطايا يوم القيامة
أكثرُهم خوضاً في الباطل.
وأخرجه ابن أبي الدنيا - ورواته ثقات - عن قتادة مرسلاً.
قال في"الإحياء": وإليه الإشارة بقوله: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} [سورة المدثر: 45] .
روى أبو نعيم عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: أكثر الناس ذنوباً يوم القيامة أكثرهم كلاماً في معصية الله تعالى.
وروى ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إِن أكثَرَ خَطايا ابْن آدَمَ فِي لِسانِه".
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في"الزهد"، والحكيم الترمذي في"نوادر الأصول"عن عمر بن ذر - مرسلاً - قال: قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ؛ فَلْيتَّقِ اللهَ عبدٌ، وَلْيَنْظُرْ ما يَقُولُ".
وأخرجه الحكيم عن ابن عباس رضي الله تعالى مرفوعاً.
39 -ومن أخلاق أهل الجاهلية: ترك الصلاة بما لا يعني، ومنع المصلي من الصلاة، ونهيه عنها، وإيذاء المصلين باللفظ وغيره.
كما يدل عليه قوله تعالى: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [سورة المدثر: 43] .
وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [سورة الأنفال: 35] .