وعن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال في الآية: لا يقتل اثنين بواحد؛ أي: لا يقتل اثنين أحدهما لم يقتل.
24 -ومنها: أخذ الإنسان بجريرة.
كما علمت من قتلهم غير قاتل وليهم.
ولقد قالوا في أمثالهم: قدْ يُؤخذُ الجارُ بذنبِ الجارِ؛ وهو خلف كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [سورة فاطر: 18] .
ذكر القرطبي في"تفسيره"أقوالاً منها: أنها نزلت رداً على العرب في الجاهلية من مؤاخذة الرجل بأبيه وبابنه، وبجريرة خليله، بل هو
من الجاهلية الأولى التي كانت في الفترة بين نوح وإبراهيم كما روى ابن المنذر عن هذيل بن شرحبيل قال: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره بين نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام حتى جاء إبراهيم؛ فلا تزر وازرة وزر أخرى.
وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال في قوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [سورة النجم: 37: كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الولي بالولي، حتى كان إبراهيم، فوفى أن لا تزر وازرة وزر أخرى؛ لا يؤخذ أحد بذنب غيره.
وروى الشافعي، والبيهقي في"سننه"عن عمرو بن أوس رحمه الله تعالى قال: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره، حتى جاء إبراهيم فقال الله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [سورة النجم: 37] ؛ قال: بلغ وأدى {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [سورة النجم: 38] .
وقوله: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره؛ أي: شريعة فنسخت بما جاء به إبراهيم عليه السلام، أو عادة أجريت ولم تكن شريعة، فأبطلها إبراهيم عليه السلام، وبيَّن أنها نزلت شريعة.
وإذا تأملت أحوال حكام هذه الأزمنة وجدتها لا تعدو أحوال أهل الجاهلية في كثير من الأمور؛ ألا تراهم إذا طلبوا غريماً وتغيب عنهم أخذوا أباه، أو ابنه، أو قريبه، أو جاره؟
وربما قتل قتيل، أو سرقت دارٌ أو دكان في محلة، وجاء الوالي وجماعته ومعهم قاض من قبل حاكم الشرع يقال: قاضي الكشف، فيأخذون من صاحب المصيبة أو من أهل المحلة جريمة، وسموها: أجرة القدم، أو حجة الكشف، ولا يمهلونه إلى تحصيل ما يأخذونه، بل يأمرونه بتسلم ذلك ممن استعد للربا في أبوابهم، ولعل ذلك فوق جهل الجاهلية.