والثالث: وإن نفس وصف القوم بإرادة الضلال خطأ ، لإعزازه
في العالم ، وعدم من يرد من الله ذلك ، إنما يستفزهم حرص الدنيا ،
فيريدون جمعها - لأنفسهم - بأي وجه اجتمعت لهم من خير ، أو شر ،
كما قال الله - ها هنا -: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) ، فقد أخبر الله أنه يؤتيهم حرثها المحروص عليه منهم ، لا بمسألتهم إياه ذلك.
قال محمد بن علي - رحمه الله -: وفي قوله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)
معتبر لمن وفقه الله ، في أن القياس ، والاستحسان دين لم يأذن الله به ، إذ الإذن لا يكون إلا ملفوظًا ، لا متوهمًا ، ولسنا نجد قائسا ، ولا مستحسنًا
آوى في قياسه إلى آية ، أو سنة تصرح له إذنًا بالقياس ، بل كل ما
يحتجون به من مثل العدل ، والقبلهّ ، وجزاء الصيد ، وتحريم
الحنطة بالحنطة المتفاضلة نصوص في أنفسها ، لأنفسها ، وحمل
أشباهها - عندهم - عليها توهم ، من المتوهمين ، لا تصريح به من رب
العالين ، فهل جعل التوهم دينًا يحل به ، ويحرم ويعقد ويحل إلا مما لم يأذن
اللَّه به عند المنصفين ، والمميزين إذا تدبروه.
الرد على الروافضة:
وقوله - تعالى -: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)
دليل على أن في سجايا البشر نبواً عن موعظة من أخذ الدينار
والدرهم ، وأن التعفف عنهما كان مرموقًا في الجاهلية الجهلاء بعين
المدح ، من يزهد فيهما ، ويتضع قدر من سارع إلى أخذهما ، فأمر اللَّه
رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، أن يبرأ إلى المنذَرين ، من أخذ أجر من
أحدهما على ما يدعو إليه من كتاب ربه ، ودينه الذي شرعه لعباده ،
لتمخض دعوته إلى الله - جل وتعالى - خالصة غير مشوبة بميل
دنيا ، تخفض طلابها ، والراكنين إليها عن مراتب العز ، ودرجات
المقربين ، وبذلك أخبر عمن مضى من الرسل - قبله - في سورة