وذم احتجاج هؤلاء بالقدمة - كما ترى - وحمل الأشكال على الأشكال ممدوح في الرأي ، والقياس ، والاستحسان ، فلو كان حقًّا ، لكان أصحاب رسول الله ، صلى اللَّه عليه وسلم ، محجوجين بقول اليهود ، والنصارى ، أفليس بيّنًا - عند من شرح الله صدره - أن القدمة ممدوحة حيث مدحها الله ، ومذمومة حيثما مدحها غيره ، تشبيهًا بما مدحها الله ، وقد جعل اللَّه رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، محمدًا أفضل الأنبياء ، وهو آخرهم
رسالة ، وكلهم أقدم منه فيها.
فلما كانت القدمة ممدوحة في موضع ، دون موضع ، دل على أن
الأشياء وإن تشاكلت ، فهي محتاجة إلى تعبد ، يصحبها في
الأحكام ، فإن ائتلفت في الأحكام ، كما ائتلفت في الأشكال
ائتلفت ، وإن لم تأتلف في الأحكام اختلفت.
المعتزلة:
وقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا)
حجة على المعتزلة ، والقدرية"وذلك أن"
الحرث - في اللغة - كناية عن العمل ، سُمي به - والله أعلم -
للنماء الذي ينميه من الخير والشر ، وكذا قال عبد الله بن عمر - وهو
من أرباب اللغة -:"احرث للدنيا كأنك تعيش أبدا ، واحرث للآخرة"
كأنك تموت غدًا"، وقد أخبر الله - نصا كما ترى - أنه يزيد كلاًّ"
ما يريده ، وعطيته لا تخلو من أن تكون خلقًا لحرثه ، أو معونة على
فعله ، وأيهما كان فهو حجة عليهم واضحة ، لا إشكال فيها.
وقد أنبأتهم عن المعنى الذي أرادوه ، وأزالوا به القرآن
عن جهته - في سورة الأنعام - في قوله: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ)
أنه خطأ من ثلاث جهات:
فأحدها: رد الفاعل إلى المفعول به.
والثانية: أنه لو كان كذلك - أيضا - ما نفعهم ، لأنه إن كان محالاً
على الله أن يخلق شيئًا ، أو يقضيه على عباده ، فهو محال عليه أن يعطي
أحدًا سؤله فيه ، وإن سأل.