والضمير في قوله {فِيهِ} يعود إلى التزاوج بين الذكور والإِناث المفهوم من قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً} .
أي: يكثركم وينميكم بسبب هذا التزاوج الذي يحصل بين ذكوركم وإناثكم حيث يتناسل - أحيانا - بين الذكر الواحد والأنثى الواحدة، عدد كبير من الأولاد.
وقال - سبحانه - {يَذْرَؤُكُمْ فِيه} ولم يقل يذرؤكم به أي: بسببه، للأشعار بان هذا التزواج قد صار مثل المنبع والأصل للبث والتكثير.
قال تعالى: {ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} .
قال بعض العلماء:
«فإن قيل» : ما وجه إفراد الضمير المجرور في قوله {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} مع أنه على ما ذكرتم، يعود إلى الذكور والإِناث من الآدميين والأنعام؟
فالجواب: أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن. رجوع الضمير بصيغة الإِفراد إلى المثنى أو الجمع باعتبار ما ذكر.
ومنه قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ مَّنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِهِ} أي: يأتيكم بما ذكر من سمعكم وأبصاركم وقلوبكم.
(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ(29)
والدابة: اسم لكل ما يدب على وجه الأرض أو غيرها. وظاهر الآية الكريمة يفيد وجود دواب في السماوات.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : لم قال: {فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ} والدواب في الأرض وحدها؟
قلت: يجوز أن ينسب الشيء إلى جميع المذكور وإن كان متلبسا ببعضه كما يقال: بنو تميم فيهم شاعر مجيد، أو شجاع بطل، وإنما هو فخذ من أفخاذهم.
ويجوز أن يكون للملائكة - عليهم السلام - مشى مع الطيران، فيوصفوا بالدبيب كما يوصف به الأناسى، ولا يبعد أن يخلق - سبحانه - في السماوات حيوانا يمشى فيها مشى الأناسى على الأرض، سبحان الذي خلق ما نعلم وما لا نعمل من أصناف الخلق.
(أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ(34)
«فإن قلت» : علام عطف"يوبقهن"قلت: على"يسكن"لأن المعنى: إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها.
«فإن قلت» : فما معنى إدخال في حكم الإِيباق حيث جزم جزمه؟