وقال الإمام ابن حزم: معنى قوله تعالى: {فَتَنَا سُلَيْمانَ} أي: آتيناه من الملك ما اختبرنا به طاعته ، كما قال تعالى مصدقاً لموسى عليه السلام في قوله: {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ} إذ من الفتنة ما يهدي الله بها من يشاء ، وقال تعالى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1 - 3] فهذه الفتنة هي الاختبار حتى يظهر المهتدي من الضال ، فهذه فتنة الله تعالى لسليمان ، إنما هي اختباره حتى ظهر فضله فقط ، وما عدا هذا خرافات ولّدها زنادقة اليهود وأشباههم .
وأما الجسد الملقى على كرسيه فقد أصاب الله تعالى به ما أراد . نؤمن بهذا كما هو ، ونقول: صدق الله عز وجل ، كل من عند الله ربنا . ولو جاء نص صحيح في القرآن ، أو عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم بتفسير هذا الجسد ما هو ، لقلنا به ، فإذا لم يأت بتفسيره ما هو نص ولا خبر صحيح ، فلا يحل لأحد القول بالظن الذي هو أكذب الحديث في ذلك ، فيكون كاذباً على الله عز وجل ، إلا أننا لا نشك البتة في بطلان قول من قال إنه كان جنياً تصور بصورته ، بل نقطع على أنه كذب ، والله تعالى لا يهتك ستر رسوله صلّى الله عليه وسلم هذا الهتك ، وكذلك نبعد في قول من قال إنه كان ولداً له ، أرسله إلى السحاب ليربيه . فسليمان عليه السلام كان أعلم من أن يربي ابنه بغير ما طبع الله عز وجل بنية البشر عليه من اللبن والطعام . وهذه كلها خرافات موضوعة مكذوبة ، لم يصح إسنادها قط . انتهى .
وزعم القاشاني أن حكاية الجني والخاتم مع سليمان ، هي من موضوعات حكماء اليهود ، كسائر ما وضعت الحكماء في تمثيلاتهم من حكايات أبسال وسلامان .