قال: وأنا شديد التعجب من الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة ، مع أن العقل والنقل يردها ، وليس لهم في إثباتها شبهة ، فضلاً عن حجة ، فإن قيل: إن الجمهور فسروا الآية بذلك الوجه ، فما قولك فيه ؟ فنقول: لنا ههنا مقامان:
المقام الأول - أن ندعي أن لفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرونها . وقد ظهر ، والحمد لله ، أن الأمر كما ذكرناه ، وظهوره لا يرتاب العاقل فيه .
المقام الثاني - أن يقال: هب أن لفظ الآية لا يدل عليه ، إلا أنه كلام ذكره الناس . فما قولك فيه ؟ وجوابنا أن الأدلة الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء عليهم السلام ، ولم يدل دليل على صحة هذه الحكايات ، ورواية الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية ، فكيف الحكايات عن أقوام لا يبالي بهم ولا يلتفت إلى أقوالهم ؟ والله أعلم . انتهى كلام الرازي .
وسبقه ابن حزم حيث قال: تأويل الآية على أنه قتل الخيل ؛ إذ اشتغل بها عن الصلاة . خرافة موضوعة مكذوبة سخيفة باردة ، قد جمعت أفانين من القول ؛ لأن فيها معاقبة خيل لا ذنب لها ، والتمثيل بها ، وإتلاف مال منتفع به بلا معنى ، ونسبة تضييع الصلاة إلى نبي مرسل ، ثم يعاقب الخيل على ذنبه لا على ذنبها ، وإنما معنى الآية أنه أخبر أنه أحب حب الخير . من أجل ذكر ربه حتى توارت الشمس ، أو تلك الصافنات بحجابها ، ثم أمر بردها . فطفق مسحاً بسوقها ، وأعناقها بيده ، براً بها ، وإكراما لها ، هذا هو ظاهر الآية الذي لا يحتمل غيره ، وليس فيها إشارة أصلاً إلى ما ذكروه من قتل الخيل وتعطيل الصلاة ، وكل هذا قد قاله ثقات المسلمين . فكيف ، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلّى الله عليه وسلم ؟ انتهى كلام ابن حزم .