وهذا تأويل فاسد، يدل على فساده بداهة أسلوب القرآن، ومكان القصة هنا، وسياق الآيات.
إن هذه القصص إنما ذكرها اللّه - تعالى - بعد قول المشركين: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ وقد بلغوا مبلغا من السفاهة عظيما، حتى قال اللّه للنبي:
اصبر على ما يقولون. واذكر عبدنا داود، ثم ذكر بعد ذلك قصة سليمان وهذا الوضع والسياق يفيد أن القصص سيقت لبيان جلائل الأعمال، وفضائل الخلال التي قام بها هؤلاء الأنبياء وأصحابهم، وعلى هذا فداود وسليمان ليس من الحق أن نفهم فيهما أنهما أتيا أعمالا تتنافى مع مركز النبوة وشرف الرسالة، وخاصة بعد قول اللّه لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم:
اصبر واذكر داود وسليمان، أي: تأس بهؤلاء، وعلى هذا فيمكن أن نلخص ما يمكن فهمه من هذه الآيات بما يأتى: أن اللّه وهب لداود سليمان وكان نبيا من المرسلين، وهو نعم العبد الصالح، إنه أواب ومطيع، واذكر وقت أن عرض عليه بالعشي الخيل المطهمة، والصافنات الجياد، ويمكن أن نقول: إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في
دينهم، لأنه ملك له دولة وله سلطان، وله جيش منظم، وخيل معدة، وأمر بإحضارها وإمرارها عليه لينظرها ويبدي رأيه فيها، وهو لا يحب الخيل لذاتها وإنما يحبها لأمر اللّه، وتقوية دينه وتثبيت دعائمه.
ثم لما سارت الخيل أمامه وتم عرضها حتى توارت عنه، وغابت عن بصره أمر قواده أن يردوها إليه فلما عادت طفق يمسح مسحا بسيقانها وأعناقها، وإنما فعل ذلك تشريفا لها وتكريما، وليرى رأيه في الخيل لأنه على علم بها وبعيوبها.