لما عاد سليمان - عليه السلام - وأناب إلى ربه، قال {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [ص: 35] يعني: استغفر ربه مما وقع فيه من الغرور. يعني: ربِّ اغفر لي ما سبَّب أن تجعلني جسداً. وكأنه قال: يا رب، لقد ابتليتني بالملك والنبوة، وهذه مسألة لم تحدث لأحد من قبلي فاغتررت بها، فهَبْ لي مُلْكاً أعظم منه لا ينبغي لأحد من بعدي وسوف أوفي هذه المرة ولن أغتر، وكأنه يقول لربه: يا ربّ جربني وأعطني فرصة أخرى، فلما دعا سليمان هذا الدعاء أجابه ربه وأعطاه ما طلب.
لذلك احترم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة أخيه سليمان، فقد ورد في الحديث الشريف"أن الشيطان عَرض لرسول الله وهو يصلي ليشغله عن صلاة، فأمسك به رسول الله وهَمَّ أنْ يربطه في سارية المسجد يلهو به صبيان المدينة، لكنه صلى الله عليه وسلم تذكّر دعاء أخيه سليمان {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ..} فلم يفعل تقديراً لسليمان عليه السلام".
ومعنى {الْوَهَّابُ} [ص: 35] صيغة مبالغة، تدل على كثرة الوهب وقلنا: الهبة عطاء بلا مقابل، والمعنى أن من ضمن ما تهبه يا رب الملك، وهذا يعني أن الملْك لا يناله أحد بمجهوده ومهارته، إنما هو هبة من الله، فالله هو الذي يهَبُ الملْك ووهبه حتى للكافر الذي حَاجّ إبراهيم في ربه، كما قال سبحانه:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ..} [البقرة: 258] .
وقال سبحانه:
{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ ..} [آل عمران: 26] .
{فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} * {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ} * {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ} * {هَذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
قال سبحانه: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ ..} [ص: 36] وكان تسخير الريح لسليمان أول نعمة أضيفتْ إلى ملكه لم تكُنْ موجودة من قبل، ومعنى {رُخَآءً ..} [ص: 36] أي: لينة ناعمة كالمطية التي تمشي براكبها مَشْياً هادئاً لا تزعجه ولا توقعه. إلا أن بعض المفسرين قالوا إن كلمة رخاء تتعارض مع قوله تعالى في نفس القصة:
{الرِّيحَ عَاصِفَةً ..}