فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 382882 من 466147

ولو نظرتَ إلى الفتنة لوجدتها شائعة في خَلْق الله جميعاً، فكل واحد من الخَلْق فاتن ومفتون، بمعنى أن الغني فتنة للفقير، والفقير فتنة وابتلاء للغني، فالغني يُبتلَى بالفقير، أيضنّ عليه بالنعمة أم يعطيه منها؟ أيحتقره لفقره أم يحترم قدر الله فيه؟

كذلك يبتلي الفقير بالغني، أيحسده لغناه ويعترض على قدر الله بالفقر؟ أم يصبر ويتمنى الزيادة لغيره. كذلك الحال في القوي والضعيف، وفي الصحيح والسقيم، وفي الجاهل والمتعلم .. إلخ، إذن: كلٌّ مِنَّا فاتنٌ ومفتون، المهم مَنْ يفوز، ومن ينجح في هذا الابتلاء؟

وهذا المعنى أوضحه الحق سبحانه في قوله تعالى:

{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ..} [الفرقان: 20] قالوا: كلمة بعض هنا ليستْ تحديداً لشخص بعينه، إنما هي جزء من كل متساو، لكن مُبْهم فيه، كما في قوله تعالى:

{وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ..} [الزخرف: 32] .

فأيُّنا مرفوع وأيُّنا مرفوع عليه؟ قالوا: كل منَّا مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، فالناس كلهم إذن سواء، أنت لك مجال تجيده وتبدع فيه، فأنت مرفوع في هذا المجال، ولك مجال آخر لا تجيده ولا تعرف فيه شيئاً، فغيرك مرفوع عليك فيه، لأنه يُجيد ما لا تجيده أنت.

وهذه المسألة تأتي من استطراق المواهب في الخَلْق، لأنهم جميعاً عباد الله، وليس منهم مَنْ هو ابن الله، ولا مَنْ بينه وبين الله قرابة أو نسب، لذلك نثر الحق سبحانه فضله على عباده جميعاً، ووزّع بينهم المواهب بالتساوي؛ لأن الله تعالى لو جعل إنساناً مجمعَ خير وفضائل ما احتاجَ أحدٌ إلى أحد.

والله يريد للعباد أن تتشابك أيديهم، وأنْ يتعاونوا في حركة الحياة، فالقوي يحتاج للضعيف، والضعيف يحتاج للقوي، العَالِم يحتاج للجاهل، والجاهل يحتاج للمتعلم. وهكذا يرتبط الناس ارتباطَ حاجةٍ، لا ارتباطَ تفضُّل.

وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة بالباشا أو العظيم الذي يعود من عمله، فيجد مجاري البيت مسدودة، ويشم في بيته رائحة كريهة، فيسرع إلى عامل المجاري لينقذ الموقف، وربما ركب سيارته وذهب إليه في مكان عمله، بل وترجاه أنْ يأتي معه، فالعامل في هذه الحالة مرفوع، والباشا مرفوع عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت