قال صاحب الكشاف: كان سليمان عليه السلام ناشئا في بيت الملك والنبوة وارثا لهما ، فأراد أن يطلب من ربه عز وجل معجزة فطلب بحسب إلفه ملكا زائدا على الممالك زيادة خارقة للعادة بالغة حد الإعجاز ، ليكون ذلك دليلا على نبوته ، قاهرا للمبعوث إليهم ، ولن تكون معجزة حتى تخرق العادة ، فذلك معنى قوله: لا ينبغى لأحد من بعدي ا ه.
وقيل إنه أراد بقوله: لا ينبغى لأحد من بعدي - الدلالة على عظمه وسعته كما تقول: لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال. وربما كان للناس أمثال ذلك ، ولكنك تريد تعظيم ما عنده.
ثم علل المغفرة والهبة معا فقال:
(إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) أي إنك أنت الكثير المواهب والعطاء ، فأجب طلبى ، وحقق رجائى.
ثم أخبر سبحانه بأنه أجاب دعاءه ووفقه لتحصيل ما أراد وعدّد نعمه عليه فقال:
(1) (فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ) أي فذللنا لطاعته إجابة لدعوته الريح تجرى لينة طيّعة له لا تمتنع عليه إلى أيّ جهة قصد.
ولا تنافى بين وصف الريح هنا بالرخاء ، ووصفها في آية أخرى بكونها عاصفة كما قال: « وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً » لأنها تكون بكلتا الحالين بحسب الحاجة إليها ، فهي تشتد حين الحلّ ، وتلين حين السير.
(2) (وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ) أي وذللنا لأمره البنائين من الشياطين والغوّاصين في البحار منهم ، يسخرهم فيما يريد من الأعمال ، فإذا أراد بناء العمائر والقصور أو الحصون والقناطر أنجزوها له في الزمن القصير ، وإذا أحب استخراج اللؤلؤ والمرجان من البحار لجعلهما حلية لمن في قصوره لبّوا طلبه سراعا.
(3) (وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ) أي وآخرين من الشياطين مردة مشاكسين لا يلبون دعوة الداعي ، ويخالفون ما أمروا به فيوضعون في السلاسل والأغلال ليتقى شرهم.