(نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) أي ما أحقه بالمدح والثناء! لأنه كان كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى ربه في أكثر الأوقات ، وفي كثير من المهمات ، اعتقادا منه بأن كل شيء من الخير لا يتم إلا بإعانته وتوفيقه.
ثم ذكر حالا من أحواله التي تستحق الإطراء والثناء فقال:
(إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ) أي امدحه حين عرضت عليه الجياد الصافنات من العصر حتى آخر النهار ، لينظر إليها ويتعرف أحوالها ، ومقدار صلاحيتها للقيام بالمهامّ التي توكل إليها حين الغزو وغيره.
وقد وصفها بالصفون والجودة ليجمع لها بين وصفين ممدوحين واقفة وجارية ، فإذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها ، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها ، وقيل وصفها بالصفون لأنه لا يكون في الهجن ، بل يكون في العراب الخلّص.
(فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) قد يحب الإنسان شيئا وهو يتمنى ألا يحبه ، كالمريض الذي يشتهى ما يزيد مرضه ، والوالد الذي يحب ولده السيّء السيرة والخلق ، وقد يحب شيئا وهو يرى أن من المصلحة أن يحبه ، ومن الخير أن يزداد شغفه به ، وتلك هي غاية المحبة ، فسليمان عليه السلام يقول: إنى أحب حبى لهذه الخيل ، وتلك المحبة إنما حصلت عن ذكر ربى وأمره لا عن الشهوة والهوى.
(حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ) أي حتى غابت عنى بسبب العثير المتطاير من سنابكها كما قال المتنبي:
أثارت سنابكها عليها عثيرا لو تبتغى عنقا عليه لأمكنا
فالمراد أنه حين وقع بصره عليها حال جريها كان يقول هذه الكلمة « إنّى أحببت حبّ الخير عن ذكر ربّى » وما زال يرددها حتى غابت عن عينيه بسبب الغبار من جهة ، ولبعد المسافة من جهة أخرى.
وبعد أن اطمأن إلى حالها ، وحمد جميل أمرها قال: