وقال الإمام في"تفسيره": الصواب أن يقال: إن رباط الخيل كان مندوباً إليه في دينهم كما هو مندوب إليه في شرعنا.
ثم إن سليمان عليه السلام احتاج إلى الغزو فجلس على كرسيه وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها.
وذكر أني لا أجريها لأجل الدنيا وحظ النفس وإنما أجريها وأحبها لأمر الله تعالى وتقوية دينه ، وهو المراد من قوله: عن ذكر ربي ثم إنه أمر بإجرائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب ؛ أي: غابت عن بصره ، فإنه كان له ميدان واسع مستدير يسابق فيه بين الخيل حتى تتوارى عنه وتغيب عن عينه ، ثم إنه أمر الرائضين بأن يردوها فردوا تلك الخيل إليه فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها ؛ أي: بيده حبالها وتشريفاً وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في قهر الأعداء وإعلاء الدين ، وهو قول الزهري وابن كيسان ، وليس فيه نسبة شيء من المنكرات إلى سليمان عليه السلام ، فهو أحق بالقبول عند أولي الأفهام.
وفي"الفتوحات المكية": معنى الآية: أحببت الخير عن ذكر ربي الخير بالخيرية فأحببته لذلك.
والخير: هي الصافنات: الجياد من الخيل.
وأما قوله: فطفق مسحاً ؛ أي: يمسح بيده على أعناقها وسوقها فرحاً وإعجاباً بخير ربه لا فرحاً بالدنيا ؛ لأن الأنبياء منزهون عن ذلك وهذه تشبه ما وقع لأيوب عليه السلام حين أرسل الله له جراداً من ذهب ، فصار يحثو في ثوبه منه ويقول: لا غنى لي عن بركتك يا رب ، فما أحب سليمان الخير إلا لكونه تعالى أحب حب الخير ولذلك اشتاق إليها لما توارت بالحجاب ، يعني: الصافنات الجياد لكونه فقد المحل الذي أوجب له حب الخير عن ذكر ربه ، فقال: ردوها عليّ.
وليس للمفسرين الذين جعلوا التواري للشمس دليل ، فإن الشمس ليس لها هنا ذكر ولا الصلاة التي يزعمون ومساق الآية لا يدل على ما قالوه بوجه ظاهر البتة.
انتهى كلام"الفتوحات".