وجملة: {وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا} مستأنفة مقرّرة لما قبلها من أمر البعث والحساب ، أي: ما خلقنا هذه الأشياء خلقاً باطلاً خارجاً على الحكمة الباهرة ، بل خلقناها للدلالة على قدرتنا ، فانتصاب {باطلاً} على المصدرية ، أو على الحالية ، أو على أنه مفعول لأجله ، والإشارة بقوله: {ذلك} إلى المنفيّ قبله ، وهو مبتدأ ، وخبره {ظَنُّ الذين كَفَرُواْ} أي: مظنونهم ، فإنهم يظنون أن هذه الأشياء خلقت لا لغرض ، ويقولون: إنه لا قيامة ، ولا بعث ، ولا حساب ، وذلك يستلزم أن يكون خلق هذه المخلوقات باطلاً {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النار} والفاء لإفادة ترتب ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل ، أي: فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم ، وكفرهم.
ثم وبخهم ، وبكتهم فقال: {أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِى الأرض} قال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين: إنا نعطي في الآخرة كما تعطون ، فنزلت ، و"أم"هي: المنقطعة المقدّرة ببل والهمزة ، أي: بل أنجعل الذين آمنوا بالله ، وصدقوا رسله ، وعملوا بفرائضه كالمفسدين في الأرض بالمعاصي.
ثم أضرب سبحانه إضراباً آخر ، وانتقل عن الأول إلى ما هو أظهر استحالة منه ، فقال: {أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار} أي: بل تجعل أتقياء المؤمنين كأشقياء الكافرين ، والمنافقين ، والمنهمكين في معاصي الله سبحانه من المسلمين ، وقيل: إن الفجار هنا خاص بالكافرين ، وقيل: المراد بالمتقين الصحابة ، ولا وجه للتخصيص بغير مخصص ، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.