{وَمَا يَنظُرُ هَؤُلآء إِلاَّ صَيْحَةً واحدة مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} شروع في بيان عقاب كفار مكة إثر بيان عقاب اضرابهم فإن الكلام السابق مما يوجب ترقب السامع بيانه ، والنظر بمعنى الانتظار وعبر به مجازاً بجعل محقق الوقوع كأنه أمر منتظر لهم ، والإشارة بهؤلاء للتحقير ، والمراد بالصيحة الواحدة النفخة الثانية ، أي ما ينتظر هؤلاء الكفرة الحقيرون الذين هم أمثال أولئك الطوائف المهلكة في الكفر والتكذيب شيئاً إلا النفخة الثانية التي تقوم بها الساعة قاله قتادة وليس المراد أنها نفسها عقاب لهم لعمومها للبر والفاجر من جميع الأمم بل المراد أنه ليس بينهم وبين ما أعد لهم من العذاب إلا هي لتأخير عقوبتهم إلى الآخرة لما أن تعذيبهم بالاستئصال حسبما يستحقونه والنبي صلى الله عليه وسلم موجود خارج عن السنة الإلهية المبنية على الحكم الباهرة كما نطق به قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33] إذ المراد من {وَأَنتَ فِيهِمْ} وجوده عليه الصلاة والسلام لا مجاورته لهم كما توهم حتى يقال: لا دلالة في الآية على امتناع وقوعه بعد الهجرة لمخالفته للتفسير المشهور ، وقيل المراد بالصيحة المذكورة النفخة الأولى.
وتعقب بأنه مما لا وجه له أصلاً لما أنه لا يشاهد هولها ولا يصعق بها إلا من كان حياً عند وقوعها وليس عقابهم الموعود واقعاً عقيبها ولا العذاب المطلق مؤخراً إليها بل يحل بهم من حيث موتهم.
وقيل المراد صيحة يهلكون بها في الدنيا كما هلكت ثمود ، ولا يخفى أن هذا تعذيب بالاستئصال وهو مما لا يقع كما سمعت فلا يكون منتظراً ، وقال أبو حيان: الصيحة ما نالهم من قتل وأسر وغلبة كما تقول صاح بهم الدهر فهي مجاز عن الشر كما في قولهم ما ينتظرون إلا مثل صيحة الحبلى أي شراً يعاجلهم ، وفيه بعد.