وقد ذكر بعضهم أن الله تعالى خلق في قلوب البشر علقة قابلة لما يلقيه الشيطان فيها ، فأزيلت هذه العلقة من قلب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فلم يبق فيه مكان قابل لأن يلقي فيه الشيطان شيئا.
[] وفي (سيرة ابن هشام: 1/ 301.
وقد تكرر هذا الحادث مرتين بعد طفولته المبكرة ، فكانت المرة الثانية لما كان النبي صلّى الله عليه وسلّم ابن عشر سنين ، والمرة الثالثة لما جاوز صلّى الله عليه وسلّم الخمسين من عمره. وقصة شق الصدر هذه تشير إلى تعهد الله تعالى نبيّه صلّى الله عليه وسلّم عن مزالق الطبع الإنساني ، ووساوس الشيطان ، وهو حصانة للرسول الكريم التي أضفاها الله عليه ، فإن الله تعالى قد شاءت إرادته أزلا ، أن يكون محمد صلّى الله عليه وسلّم خاتم المرسلين ، أراد سبحانه أن يجعل منه المثل الكامل ، للإنسان الكامل ، الّذي يسير نحو الكمال بطهارة القلب ، وصفاء النفس.
ولما شبّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، كانت مكة تعجّ بمختلف أنواع اللهو والفساد ، والملاذ الشهوانية الدنسة ، كانت حانات الخمر منتشرة ، وبيوت الريبة عليها علامات تعرف بها ، مع كثرة الماجنات والراقصات ، وغير ذلك من أمور الجاهلية التي كانت تعج بها مكة في ذلك المجتمع الجاهلي ، وتتوجها عبادة الأصنام والأوثان ، والله تبارك وتعالى برّأ رسوله صلّى الله عليه وسلّم ، واختاره من أكرم معادن الإنسانية ، ثم اختاره لحمل أكمل رسالات السماء إلى أمم الأرض ، وتشهد الأثار على ما حباه ربه من العصمة ، فمن ذلك ما سبق أن أوردناه بتمامه مع شرحه من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما همت بشيء من أمر الجاهلية إلا مرتين ، كلتاهما عصمني الله تعالى فيها» ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه ابن عباس رضي الله عنهما ما حدثته به أم أيمن رضي الله عنها: «كانت بوانة صنما تحضره قريش لتعظمه. .. إلخ» .
ولا يطمئن بعض الجاهلين ، ومعهم المستشرقين ، إلى حادثة شق الصدر ، واستخراجه ، ومعالجته ، سواء التي حدثت للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وهو عند حليمة السعدية ، أو ما ورد من شق الصدر ، واستخراج القلب في معجزة الإسراء والمعراج.
وابن حبان - منذ أكثر من ألف سنة - يناقش الموضوع ، ويعتبره من معجزات النبوة ، ويقول:
«كان ذلك له فضيلة فضّل بها على غيره ، وإنه من معجزات النبوة ، إذ البشر إذا شقّ عن موضع القلب منهم ، ثم استخرج قلوبهم ماتوا» ، فهذا فعلا كان في عصر ابن حبان ، المتوفى سنة (354) هجرية ، لا بل هو إلى عهد قريب جدا.
وتقدّم العلم ، والطب ، والجراحة ، والتخدير ، والعمليات الجراحية صارت تجرى في غرف معقمة ، وبوسائل مختلفة ، وتقنية ماهرة ، فأمكن للجراحين اليوم من إجراء مختلف أنواع العلميات الجراحية ، في كل موضع من مواضع الجسم ، الهدف منها استئصال الداء وطرحه ، حيث لم تعد تنفع الوسائل الطبية ، حتى أمكن الآن استخراج القلب ، وليس فقط معالجته ، لا بل استبدال قلب سليم من إنسان مات حديثا ، بالقلب التالف ، أو حتى قلب صناعي ، ثم تخاط طبقات الجسم وتعاد ، فلا يموت المريض! وهذا أصبح في استطاعة الإنسان.
أفما استطاعة الإنسان ، لا يستطيعه الله الّذي يقول للشيء كُنْ فَيَكُونُ 2: 117 ؟.