[] وصفته بأصول مكارم الأخلاق ، لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب ، وإما بالبدن أو بالمال ، وإما على من يستقل بأمره أو بمن لا يستقل ، وذلك كله مجموع فيما وصفه به و «الكلّ» بفتح الكاف هو من لا يستقل بأمره ، كما قال تعالى: وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ 16: 76 [الآية 76/ النحل] .
و «تكسب المعدوم» : في رواية الكشمهيني وتكسب بضم أوله ، وعليها قال الخطابي: الصواب:
المعدم بلا واو ، أي الفقير ، لأن المعدوم لا يكسب. قال الحافظ ابن حجر: ولا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم لكونه كالمعدوم الميت الّذي لا تصرّف له ، والكسب هو الاستفادة ، فكأنها قالت:
إذا رغب غيرك أن يستفيد مالا موجودا رغبت أنت أن تستفيد رجلا عاجزا فتعاونه. وقال قاسم ابن ثابت في (الدلائل) : قوله يكسب معناه ما يعدمه غيره ويعجز عنه يصيبه ويكسبه. قال أعرابي يمدح إنسانا: كان أكسبهم لمعدوم ، وأعطاهم لمحروم.
ولغير الكشمهيني «و تكسب» بفتح أوله ، قال عياض: وهذه الرواية أصح - قال الحافظ ابن حجر: قد وجّهنا الأولى ، وهذه الراجحة ، ومعناها تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك ، فحذف أحد المفعولين ، ويقال: كسبت مالا وأكسبته بمعنى. وقيل: معناه تكسب المال المعدوم وتصيب ما لا يصيب غيرك. وكانت العرب تتمادح بكسب المال ، لا سيما قريش ، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل البعثة محظوظا في التجارة ، وإنما يصح هذا المعنى إذا ضم إليه ما يليق به من أنه كان مع إفادته للمال يجود به في الوجوه التي ذكرت في المكرمات.
وقولها: «و تعين على نوائب الحق» ، كلمة جامعة لأفراد ما تقدم ولما لم يتقدم. وفي رواية (البخاري في التفسير) ، من طريق يونس عن الزهري من الزيادة: «و تصدق الحديث» ، وهي من أشرف الخصال. وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه في هذه القصة: «و تؤدي الأمانة» .
وفي هذه القصة من الفوائد:
استحباب تأنيس من نزل به أمر بذكر تيسيره عليه وتهوينه لديه.
وأن من نزل به أمر استحب له أن يطلع عليه من يثق بنصيحته وصحة رأيه.
قوله: «فانطلقت به» ، أي مضت معه ، فالباء للمصاحبة ، وورقة بفتح الراء ، وقوله: «ابن عم خديجة» ، هو بنصب «ابن» ، ويكتب بالألف ، وهو بدل من ورقة ، أو صفة ، أو بيان ، ولا يجوز جره ، فإنه يصير صفة لعبد العزى ، وليس كذلك ، ولا يجوز كتبه بغير ألف لأنه لم يقع بين علمين.
قوله: «تنصّر» ، أي صار نصرانيا ، وكان قد خرج هو وزيد بن نفيل لما كرها عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها يسألون عن الدين ، فأما ورقة فأعجبه دين النصرانية فتنصّر ، وكان لقي من بقي من الرهبان على دين عيسى ولم يبدل ، ولهذا أخبر بشأن النبي صلّى الله عليه وسلّم والبشارة به ، إلى غير ذلك مما أفسده أهل التبديل.
قوله: «فكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية» ، وفي رواية يونس ومعمر:
ويكتب من الإنجيل بالعربية ، ولمسلم: فكان يكتب الكتاب العربيّ ، والجميع صحيح ، لأن ورقة تعلم اللسان العبراني والكتابة العبرانية ، فكان يكتب الكتاب العبراني ، كما كان يكتب الكتاب العربيّ ، لتمكنه من الكتابين واللسانين. ووقع لبعض الشراح هنا ضبط فلا يعرّج عليه.