ذكر مجيء الملك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم برسالات ربه تعالى
خرج البخاري ومسلم من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم أخبرته كذا ، أنها قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الوحي [1] الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - قال: والتحنث: هو التعبد - الليالي ذوات العدد ، وقال مسلم: أولات العدد - قبل أن يرجع إلى أهله ، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجئه الحق في غار حراء ، فجاءه الملك فقال: اقْرَأْ 96: 1 ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما أنا بقارئ ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال:
اقْرَأْ 96: 1 ، فقلت: ما أنا بقارئ ، فقال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ 96: 1 ، فقلت: ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ 96: 1 - 2
[1] (من الوحي) : يحتمل أن تكون «من» تبعيضية ، أي من أقسام الوحي ، ويحتمل أن تكون بيانية ، ورجحه محمد بن جعفر القيرواني أبو عبد الله التميمي القزاز ، صاحب [الجامع في اللغة] .
والرؤيا الصالحة ، وقع في رواية معمر ويونس عند المصنف في التفسير: «الصادقة» ، وهي التي فيها ضغث ، وبدئ بذلك ليكون تمهيدا ، وتوطئة لليقظة ، ثم مهّد له في اليقظة أيضا رؤية الضوء ، وسماع الصوت ، وسلام الحجر.
قوله: «في النوم» ، لزيادة الإيضاح ، أو ليخرج رؤيا العين في اليقظة لجواز إطلاقها مجازا.
قوله: «مثل فلق الصبح» ، ينصب «مثل» على الحال ، أي مشبهة ضياء الصبح ، أو على أنه صفة لمحذوف ، أي جاءت مجيئا مثل فلق الصبح ، والمراد بفلق الصبح: ضياؤه. وخص بالتشبيه لظهوره الواضح ، الّذي لا شك فيه.
قوله: «حبّب» ، لم يسمّ فاعله لعدم تحقق الباعث على ذلك ، وإن كان كل من عند الله ، أو لينبه على أنه لم يكن من باعث البشر ، أو يكون ذلك من وحي الإلهام ، و «الخلاء» بالمد ، الخلوة ، والسّر فيه أن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه إليه ، وحراء: جبل معروف بمكة ، والغار نقب في الجبل ، وجمعه غيران.
قوله: «فيتحنث» ، هي بمعنى يتحنف ، أي يتبع دين الحنفية ، وهي دين إبراهيم ،