وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ أي بين سبأ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها وهي الشام قُرىً ظاهِرَةً أي متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين الناظرين، أو ظاهرة للسابلة لم تبعد عن مسالكهم، حتى تخفى عليهم وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ أي وجعلنا هذه القرى على مقدار معلوم يقيل المسافر في قرية، ويروح في أخرى إلى أن يبلغ الشام سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ أي الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلا ونهارا. قال النسفي: أي سيروا فيها إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات، أو سيروا فيها آمنين لا تخافون عدوا ولا جوعا ولا عطشا، وإن تطاولت مدة سفركم، وامتدت أياما وليالي
فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا قالوا: يا ليتها كانت بعيدة فنسير على
نجائبنا، ونربح في التجارات، ونفاخر في الدواب والأسباب، بطروا النعمة، وملوا العافية، فطلبوا الكدّ والتعب وَظَلَمُوا بما قالوا أَنْفُسَهُمْ بكفرهم فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي يتحدّث الناس بهم ويتعجبون من أحوالهم وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي وفرّقناهم تفريقا اتخذه الناس مثلا مضروبا يقولون ذهبوا أيدي سبأ، وتفرقوا أيادي سبأ، كما سترى في الفوائد إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ عن المعاصي وعلى البلاء شَكُورٍ للنّعم، قال النسفي: أو لكل مؤمن لأن الإيمان نصفان: نصفه شكر، ونصفه صبر
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ أي حقق عليهم ظنه، أو وجده صادقا فَاتَّبَعُوهُ أي أهل سبأ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قلّل المؤمنين لقلّتهم بالإضافة إلى الكفار