وفي هذا إيماء إلى أن الإيمان لا قرار له في نفوسهم، ولا أثر له في قلوبهم، فهو لا يستطيع مقابلة الصعاب، ولا مقاومة الشدائد، فلا تعجب لاستئذانهم، وطلبهم الهرب من ميدان القتال.
والخلاصة: أن شدة الخوف والهلع الذي تمكن في قلوبهم، مع خبث طويتهم، وإضمارهم النفاق، تحملهه على الإشراك بالله، والرجوع إلى دينهم، عند أدنى صدمةٍ تحصل لهم من العدو، فإيمانهم طلاء ظاهري، لا أثر له في نفوسهم بحال، فلا عجب إذا هم تسللوا لواذًا، وبلغ الخوف من نفوسهم كل مبلغ.
15 -ثم بيَّن أن لهم سابقة عهدٍ بالفرار وخوف اللقاء من الكماة، فقال: {وَلَقَدْ كَانُوا} ؛ أي: وعزتي وجلالي لقد كان الفريق الذين استأذنوك للرجوع إلى منازلهم في المدينة، وهم بنو حارثة وبنو سلمة {عَاهَدُوا اللَّهَ} سبحانه وحلفوا له {مِنْ قَبْلُ} ؛ أي: من قبل واقعة الخندق، يعني: يوم أحد، حين هموا بالانهزام، ثم تابوا لما نزل فيهم ما نزل كما سبق في آل عمران، وقال قتادة: وذلك أنهم غابوا عن بدر، ورأوا ما أعطى الله لأهل بدر من الكرامة والنصر، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالًا .. لنقاتلن.
{لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ} : جواب قسم؛ لأن {عَاهَدُوا} : بمعنى حلفوا، كما في"الكواشي"؛ أي: لا يتركون العدو خلف ظهورهم ولا يفرون من القتال ولا ينهزمون ولا يعودون لمثل ما في يوم أحد، ثم وقع منهم هذا الاستئذان نقضًا للعهد، وقال أبو البقاء: ويقرأ بتشديد النون وحذف الواو على تأكيد جواب القسم. اهـ."سمين".
{وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ} سبحانه وتعالى {مَسْئُولًا} عنه صاحبه يوم القيامة، ومطلوبًا بالوفاء به في الدنيا، ومجازًى على ترك الوفاء به يوم القيامة، يسأل عنه: هل وفي المعهود به، أو نقضه فيجازى عليه؟ وهذا وعيد.
والمعنى: أي ولقد كان هؤلاء المستأذنون، وهم بنو حارثة وبنو سلمة، قد هربوا يوم أحد، وفروا من لقاء عدوهم، ثم تابوا وعاهدوا الله أن لا يعودوا إلى مثلها، وأن لا ينكثوا على أعقابهم حين قتالهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم بين ما للعهد من حرمةٍ فقال: {وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ} يسأل عن الوفاء به يوم القيامة ويجازى عليه.