16 -ثم أمر الله رسوله أن يقول لهم: إن فراركم لا يؤخر آجالكم، ولا يطيل أعماركم، فقال: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المستأذنين الفارين من قتال العدو ومنازلته في الميدان: {لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ} والهرب، ولا يدفع عنكم ما أبرم في الأزل، من موت أحدكم حتف أنفه، {إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ} قتلة بسيف أو نحوه، إن فررتم من {الْقَتْلِ} ، والقتل: فعل يحصل به زهوق الروح، فإنه لا بد لكل شخص من الفناء والهلاك، سواء كان بحتف أنف أو بقتل سيف في وقت معين سبق به القضاء، وجرى عليه القلم، ولا يتغير أصلًا، فإن المقدر كائن لا محالة، والأجل إن حضر لم يتأخر بالفرار، وكان علي بن أبي طالب يقول عند اللقاء: دهم الأمر وتوقد الجمر.
أَيَّ يَوْمَيَّ مِنَ الْمَوْتِ أَفِرّ ... يَوْمَ لَا يَقْدِرُ أَمْ يَوْمَ قَدِرْ
يَوْمَ لَا يَقْدِرُ لَا أُرْهِبُهُ ... وَمِنَ الْمَقْدُوْرِ لَا يُنْجِيْ الْحَذِرْ
{وَإِذًا} ؛ أي: وإن نفعكم الفرار مثلًا، فمتعتم بالتأخير {لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا} تمتيعًا {قَلِيلًا} أو إلا زمانًا قليلًا بعد فراركم إلى أن تنقضي آجالكم، وكل ما هو آتٍ قريب، وعمر الدنيا كله قليل، فكيف مدة آجال أهلها، وقد قال من عرف مقدار: عمرك في جنب عيش الآخرة، كنفس واحد، وقد أجاد من قال:
الْمَوْتُ كَأْسٌ وَكُلُّ النَّاسِ شَارِبُهُ ... وَالْقَبْرُ بَابٌ وَكُلُّ النَّاسِ دَاخِلُهُ
وعن بعض المروانية: أنه مر بحائط مائلٍ فأسرع، فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل أطلب.
والمعنى: أي وإن نفعكم الفرار، بأن دفع عنكم الموت، فمتعتم .. لم يكن ذلك التمتع إلا قليلًا، فإن أيام الحياة وإن طالت قصيرة، فعمر تأكله الدقائق قليل، وإن كثر، ولله در أحمد شوقي حيث يقول:
دَقَّاتُ قَلْبِ الْمَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ ... إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِيْ
وقرأ الجمهور: {تمتعون} بالفوقانية، وقرأ يعقوب الحضرمي في رواية الساجي عنه: بالتحتية، وفي بعض الروايات: {لا تمتعوا} بحذف النون إعمالًا لإذن، وعلى قراءة الجمهور: هي ملغاة.