ولما كان من المعلوم أنهم لم يطبقوا ما علا وما سفل ، أدخل أداة التبعيض فقال: {من فوقكم} يعني بني قريظة وأسد وغطفان من ناحية مصب السيول من المشرق ، وأضاف الفوق إلى ضميرهم لأن العيال كانوا في الآكام ، وهي بين بني قريظة وبين من في الخندق ، فصاروا فوق العيال والرجال.
ولما كان المراد الفوقية من جهة علو الأرض ، أوضحها بقوله: {ومن أسفل منكم} دون أن يقول: أسفلكم ، وأفاد ذلك أيضاً من في أسفل إنما أحاطوا ببعض جهة الرجال فقط ، ولم يقل"ومن تحتكم"لئلا يظن أنه فوق الرؤوس وتحت الأرجل ، ولم يقل في الأول"من أعلى منكم"لئلا يكون فيه وصف للكفرة بالعلو ، وأسفل الأرض المدينة من ناحية المغرب يعني قريشاً ، ومن لافّها من كنانة فإن طريقهم من تلك الجهة.
ولما ذكرهم بالمجيء الذي هو سبب الخوف ، ذكرهم بالخوف بذكر ظرفه أيضاً مفخماً لأمره بالغطف فقال: {وإذ} أي واذكروا حين ، وأنث الفعل وما عطف عليه لأن التذكير الذي يدور معناه على القوة والعلو والصلابة ينافي الزيغ فقال: {زاغت الأبصار} أي مالت عن سداد القصد فعل الواله الجزع بما حصل من الغفلة الناشئة عن الدهشة الحاصلة من الرعب ، وقطع ذلك عن الإضافة إلى كاف الخطاب إبقاء عليهم وتعليماً للأدب في المخاطبة ، وكذا {وبلغت القلوب} كناية عن شدة الرعب والخفقان ، ويجوز - وهو الأقرب - أن يكون ذلك حقيقة بجذب الطحال والرئة لها عند ذلك بانتفاخهما إلى أعلى الصدر ، ومنه قولهم للجبان: انتفخ منخره أي رئته {الحناجر} جمع حنجرة ، وهي منتهى الحلقوم ، ومن هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة - رضي الله عنه -"شر ما في الإنسان جبن خالع"أي يخلع القلب من مكانه ، وجمع الكثرة إشارة إلى أن ذلك عمهم أو كاد.