ويقال: إن هذه البئر والقصر بحضرموت معروفان ، فالقصر مشرف على قُلّة جبل لا يرتَقى إليه بحال ، والبئر في سفحة لا تُقِرّ الريح شيئاً سقط فيه إلا أخرجته.
وأصحاب القصور ملوك الحضر ، وأصحاب الآبار ملوك البوادي ؛ أي فأهلكنا هؤلاء وهؤلاء.
وذكر الضحاك وغيره فيما ذكر الثعلبيّ وأبو بكر محمد بن الحسن المقرئ وغيرهما أن البئر الرّس ، وكانت بعدن باليمن بحضرَمَوْت ، في بلد يقال له حَضُوراء ، نزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح ، ونجوْا من العذاب ومعهم صالح ، فمات صالح فسُمِّيَ المكان حضرموت ؛ لأن صالحاً لما حضره مات فبنَوْا حضوراء وقعدوا على هذه البئر ، وأمّروا عليهم رجلاً يقال له العلس بن جلاس بن سويد ، فيما ذكر الغزنويّ.
الثعلبيّ: جلهس بن جلاس.
وكان حسن السيرة فيهم عاملاً عليهم ، وجعلوا وزيره سنحاريب بن سوادة ، فأقاموا دهراً وتناسلوا حتى كثروا ، وكانت البئر تسقي المدينة كلها وباديتها وجميعَ ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك ؛ لأنها كانت لها بكرات كثيرة منصوبة عليها ، ورجال كثيرون موكلون بها ، وأبازن (بالنون) من رخام وهي شبه الحياض كثيرة تملأ للناس ، وأُخر للدواب ، وأُخر للبقر ، وأخر للغنم.
والقُوّام يسقون عليها بالليل والنهار يتداولون ، ولم يكن لهم ماء غيرها.
وطال عمر الملك الذي أمّروه ، فلما جاءه الموت طُلِيَ بدهن لتبقى صورته لا تتغير ، وكذلك كانوا يفعلون إذا مات منهم الميت وكان ممن يكرم عليهم.
فلما مات شق ذلك عليهم ورأوا أن أمرهم فسد ، وضجوا جميعاً بالبكاء ، واغتنمها الشيطان منهم فدخل في جثة الملك بعد موته بأيام كثيرة ، فكلمهم وقال: إني لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم ؛ ففرِحوا أشدّ الفرح وأمر خاصته أن يضربوا له حجاباً بينه وبينهم ويكلمهم من ورائه لئلا يعرف الموت في صورته.
فنصبوا صنماً من وراء الحجاب لا يأكل ولا يشرب.