الضرب الثاني: سلوكيات تختص بواقع المسلمين بعد القتال مع إحراز النصر: وهي الالتزام الكامل بمنهج الله من التواضع وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونصر الله وإتباع هديه في كل شئون الحياة الخاصة والعامة: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} .
إن النصر والتمكين في الأرض من أجل النعم على المسلمين بعد الإيمان بالله. وشكر هذه النعم يكون بطاعة الله ورسوله لا بالسعي في الأرض فساداً ، والطغيان على عباد الله ، هكذا وجه القرآن المسلمين.
وفي هذا الإطار المحكم من التوجيه الإسلامي الخُلُقي جرت معارك المسلمين مع أعدائهم في صدر الإسلام ، ويمكن تقسيم تلك المعارك والغزوات قسمين:
* غزوات كان سببها الدفاع عن حرمات الله وحقوق المسلمين كغزوتى أحدُ والأحزاب ، ومن قبلهما غزوة بدر الكبرى ، إذ كلن الهدف لقريش وحلفائها من هذه الغزوات هو مداهمة المسلمين في مقرهم الجديد (المدينة) والقضاء عليهم وعلى الإسلام معاً.
* وغزوات كان سببها تبليغ الدعوة كغزوات الفرس والروم والمناطق الخاضعة لهما.
وفي هذه الغزوات كان القتال هو اختيار العدو لا المسلمين ، كما هو معروف من منهج الدعوة:
* عرض الإسلام أولاً.
* فإن أبَوْا خُيَّرا بين دفع الجزية وبمقتضاها يُعقَد معهم عهد أمان يصبحون في ظله لهم ما للمسلمين مع حماية المسلمين لهم والدفاع عنهم ضد أي خطر ، فإن أبَوْا أعلمهم المسلمون أنه لم يبق إلا القتال ، ولم يحدث في الصدر الأول للإسلام أن فرض المسلمون القتال على قوم اختاروا الصلح مع المسلمين ، مع بقائهم على عقائدهم الدينية ، فالقتال الذي وقع بين الفرس والروم وبين المسلمين كان اختيار الفرس والروم وليس اختيار المسلمين.