إذن: المسجد ما حُكِر للعبادة ، وخُصِّص للمسجدية من أرضه إلى سمائه ، وهذا لا يُمارس فيه عمل دنيوي ولا تُعقد فيه صفقة . . إلخ .
أما أنْ نجعل المسجد تحت عمارة سكنية ، وفوق المسجد مباشرة يباشر الناس حياتهم ومعيشتهم بما فيها من هَرج ولَهْو ، حلال وحرام ، وطهارة ونجاسة ، ومعاشرة زوجية . . إلخ فهذا كله يتنافى مع المسجدية التي جعلها الله حِكْراً للعبادة من الأرض إلى السماء . فلنُسَمِّ هذه الأماكن: مُصلّى . ولا نقول: مسجد .
ثم يصف الحق سبحانه المساجد بقوله: {يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً . .} [الحج: 40] لأن ذِكْر الله في المساجد دائم لا ينقطع ، ونحن لا نتحدث عن مسجد ، ولا عن مساجد قُطْر من الأقطار ، إنما المراد مساجد الدنيا كلها من أقصى الشرق لأقصى الغرب ، ومن الشمال للجنوب .
ولو نظرتَ إلى أوقات الصلوات لرأيتَ أنها مرتبطة بحركة الفلك وبالشمس في الشروق ، وفي الزوال ، وفي الغروب ، وباعتبار فارق التوقيت في كل بلاد الله تجد أن ذِكْر الله دائم لا ينقطع أبداً في ليل أو نهار ، فأنت تُؤذِّن للصلاة ، وغيرُك يقيم ، وغيركما يصلي ، أنت تصلي الظهر ، وغيرك يصلي الصبح أو العصر ، بل أنت في الركعة الأولى من الصبح ، وغيرك في الركعة الثانية ، أنت تركع وغيرك يسجد .
إذن: هي منظومة عبادية دائمة في كل وقت ، ودائرة في كل مكان من الأرض ، فلا ينفكّ الكون ذاكراً لله . أليس هذا ذِكْراً كثيراً؟ أليستْ كلمة (الله أكبرُ) دائرة على ألسنة الخلق لا تنتهي أبداً؟