ثم لما كان دَفْع الله الناسَ بعضهم ببعض ينتج عنه معركة تُسْفر عن منتصر ومنهزم ، قال سبحانه: {وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ . .} [الحج: 40] فإنْ كان التدافع بين الكفار فإنه لا ينتهي ، وإنْ كان بين حقٍّ لله وباطل حكم الله بأنه باطل لا بُدَّ أن تنتهي بنُصْرة الحق ، وغالباً لا تطول هذه المعركة ؛ لأن الحق دائماً في حضانة الله ، إنما تطول المعارك بين باطل وباطل ، فليس أحدهما أَوْلَى بنُصْرة الله من الآخر ، فيظل كل منهما يطحن في الآخر ، وإنْ لم تكن حرباً ساخنة كانت حرباً باردة ، لماذا؟ لأنه لا يوجد قويٌّ لا هوى له يستطيع أن يفصل فيها ، وطالما تدخّل الهوى تستمر المعركة .
يبقى في القسمة العقلية المعركة بين حق وحق ، وهذه لا وجودَ لها ؛ لأن الحق واحد في الوجود ، فلا يمكن أنْ يحدث تصادم أبداً بين أهل الحق .
والحق - تبارك وتعالى - في نُصْرته لأوليائه يستطيع أن ينصرهم دون حرب ، ويُهلك أعداءهم ، لكن الحق سبحانه يريد أنْ يأخذوا هم بأسباب النصر ؛ لذلك يُعلّمهم أصول هذه المسألة ، فيقول سبحانه: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرقاب حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ولكن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ . .} [محمد: 4] .
ومعنى {أَثْخَنتُمُوهُمْ . .} [محمد: 4] يعني: جعلتموهم لا يقدرون على الحركة {فَشُدُّواْ الوثاق . .} [محمد: 4] لا تُجهِزوا عليهم ، ولا تقتلوهم ، إنما شُدُّوا قيودهم واستأسِروهم ، وهذه من رحمة الإسلام وآدابه في الحروب ، فليس الهدف القتل وإزهاق الأرواح ثم {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً . .} [محمد: 4] مَنّاً إنْ كان هناك تبادل للأسرى . فأنت تمنُّ وهو يمنُّ . والفداء أنْ يفدي نفسه .