فالحق - سبحانه وتعالى - مَا نَعَى عليهم الانقطاع للعبادة ، لكن نعى عليهم انقطاعهم عن حركة الحياة ، وأسباب العيش ؛ لذلك قال: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا . .} [الحديد: 27] .
وقد أباح الإسلام أيضاً الترهُّب والانقطاع للعبادة ، لكن شريطة أن تكون في جَلْوة يعني: بين الناس ، لا تعتزل حركة الحياة ، إنما تعبَّد الله في كل حركة من حركات حياتك ، وتجعل الله تعالى دائماً في بالك ونُصْب عينيك في كُلِّ ما تأتي ، وفي كل ما تدَع ، إذن: هناك فَرْق بين مَنْ يعبد الله في خَلْوته ، ومَنْ يعبد الله في جَلْوته .
لذلك سيدنا عمر - رضي الله عنه - قال عن الرجل الذي لازم المسجد للعبادة وعرف أن أخاه يتكفّل به ويُنفق عليه ، قال: أخوه أعبد منه . كيف؟
قالوا: لأنك تستطيع أنْ تجعل من كل حركة لك في الحياة عبادة ، حين تُخِلص النية فيها لله عز وجل . ولك أن تقارن بين مؤمن وكافر ، كلاهما يعمل ويجتهد لِيقُوتَ نفسه وأهل بيته ، ويحيا الحياة الكريمة ، وهذا هدف الجميع من العمل ، لكن لو أن المؤمن اقتصر في عمله على هذا الهدف لاستوى مع الكافر تماماً .
إنما للمؤمن فوق هذا مقاصد أخرى تكمن في نيته وضميره ، المؤمن يفعل على قَدْر طاقته ، لا على قَدْر حاجته ، ثم يأخذ ما يحتاج إليه ويُنفِق من الباقي ويتصدَّق على مَنْ لا يقدر على الحركة الحياتية .
لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون * الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ * والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 1 - 4] هل يعني: مُؤدُّون فقط؟ لا ، بل إن المؤمن يتحرك ويعمل ويسعى ، وفي نيته مَنْ لا يقدر على السَّعْي والعمل ، فكأنه يُقبل على العمل ويجتهد فيه ، وفي نيته أنْ يعمل شيئاً لله بما يفيض عن حاجته من ناتج عمله وهذا ما يُميِّز المؤمن في حركة الحياة عن الكافر .