ثم قوّى هذا الأمر في القتال بقوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس} الآية ؛ أي لولا القتال والجهاد لتُغُلِّب على الحق في كل أمة.
فمن استبشع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه ؛ إذ لولا القتال لما بقي الدِّين الذي يذبّ عنه.
وأيضاً هذه المواضع التي اتّخذِت قبل تحريفهم وتبديلهم وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى ؛ أي لولا هذا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس ، وفي زمن عيسى الصوامع والبِيع ، وفي زمن محمد عليه السلام المساجد.
{لَّهُدِّمَتْ} من هدمت البناء أي نقضته فانهدم.
قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية.
وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ولولا دفع الله بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الكفارَ عن التابعين فمن بعدهم.
وهذا وإن كان فيه دفع قوم بقوم إلا أن معنى القتال ألْيق ؛ كما تقدّم.
وقال مجاهد: لولا دفع الله ظلم قوم بشهادة العدول.
وقالت فرقة: ولولا دفع الله ظلم الظّلمة بعدل الولاة.
وقال أبو الدَّرْداء: لولا أن الله عز وجل يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد ، وبمن يغزو عمن لا يغزو ، لأتاهم العذاب.
وقالت فرقة: ولولا دفع الله العذاب بدعاء الفضلاء والأخيار إلى غير ذلك من التفصيل المفسِّر لمعنى الآية ؛ وذلك أن الآية ولا بد تقتضي مدفوعاً من الناس ومدفوعاً عنه ، فتأمله.
الخامسة: قال ابن خُوَيْزمَنْداد: تضمّنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبِيعهم وبيوت نيرانهم ، ولا يُتركون أن يحدِثوا ما لم يكن ، ولا يزيدون في البنيان لا سَعة ولا ارتفاعاً ، ولا ينبغي للمسلمين أن يدخلوها ولا يصلوا فيها ، ومتى أحدثوا زيادة وجب نقضها.
ويُنقض ما وجد في بلاد الحرب من البيع والكنائس.
وإنما لم ينقض ما في بلاد الإسلام لأهل الذمة ؛ لأنها جرت مجرى بيوتهم وأموالهم التي عاهدوا عليها في الصيانة.