ويأتي الاستفهام ويراد به معنى الإنكار، وقد يكون هذا الإنكار توبيخيًّا، وقد يكون تكذيبيًّا؛ فالأول إنكار وتوبيخ على أمر قد وقع في الماضي، بمعنى: ما كان ينبغي أن يقع، أو على أمر يخشى المستفهم أن يقع في المستقبل، بمعنى: ينبغي ألا يكون، فالإنكار أو النفي في التوبيخي موجه إلى الانبغاء، والمعنى: ما كان ينبغي في الماضي وينبغي ألا يكون في المستقبل، تأمل قوله تعالى: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} (الكهف: 37) فالمعنى: ما كان ينبغي أن يقع هذا الكفر وقد خلقك الله وسوّاك وأنعم عليك من نعمه التي تباهي بها وتفتخر، ومثله قوله: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} (يوسف: 89) وقوله: {أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ} (الصافات: 125) فالاستفهام في كل ذلك للتوبيخ على أمر واقع، والمراد: ما كان ينبغي أن يقع منكم ما وقع.
{وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا ... (42) }
عبر عن نفس المعنى وهو الندم والحسرة بتقليب الإنسان كفيه، والعلاقة بين الندم والتحسر وبين عض اليدين أو تقليب الكفين، هي التلازم الذي يرجع إلى ما عرف عن الإنسان وطباعه، فقد عرف عنه أنه إذا ندم عض على يديه أو قلَّب كفيه؛ متحسرًا على ما فات، كما أن من طباعه حمرة الوجه عند الخجل وتقضيبه عند الغضب.
ومن التعبير عن الندم أيضًا قوله تعالى في قصة الرجلين الثري والمقل، إذ اغتر الثري بثرائه فجحد نعمة الله وافترى عليه، وفخر على المقل، فعاقبه الله عقابًا، قال عنه: {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} (الكهف: 42) ولتقف عند قوله: {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا} فستجد أن الموصوف مذكورًا صراحة بالضمير المستكن في الفعل: {يُقَلِّبُ} ونسب إليه هذا الفعل، ولكن الصفة المرادة لم يصرح بها وإنما فُهمت من صفة مذكورة وهي تقليب الكفين، وأنت أيضًا إذا أنعمت النظر فيها وقد ذُكرت بعد قوله: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} (الكهف: 42) لوجدت أنها تشير إلى صفة الندم إشارة قوية تقرب من الإفصاح.