قال الآلوسي: كان استئذانه عليه السلام في اتباعه له مشروطا بالتعليم، والشرط مفهوم من (على) فقد قال الأصوليون: إن (على) تستعمل في معنى يفهم منه كون ما بعدها شرطا لما قبلها، وذكر السرخسي: أنه معنى حقيقي لها، لكن النحاة لم يتعرضوا له، وقد تردد السبكي في وروده، والحق أنه استعمال صحيح يشهد به الكتاب، حقيقة أو مجازا. ولا ينافي انفهام الشرطية تعلق الحرف بالفعل قبله، كما أنه لا ينافيه تعلقه بمحذوف حال: هل أتبعك باذلا تعليمك إياي؟ أقول: لقد تضمن الاتباع هنا معنى الطاعة، والطاعة مشروطة بالتعليم، والشرط مستفاد من الحرف (على) وقد أغفل النحاة هذا المعنى، وهو مثبت في كتاب اللَّه في الآية هذه وآيات أخر، وفي لغة العرب. فإذا مر بنا فعل ومعه حرف لا يألفه، ولا يأنس به، فلنحتكم إلى عِلل هذه اللغة الشريفة ولنترافعْ إلى طبيعة الصنعة فيها، وعندها نلقى في التضمين عونا على تجاوز العقبة، ففيه من الإيجاز ما جمع الاتباع والطاعة وهما من لوازم طلب العلم، ثم أتبعها بالصبر وهو من صفات طالب العلم، وأكدها بعدم العصيان قال تعالى: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) . وهذا تناهٍ في البيان بهذا الأدب اللائق بنبي يستفهم ولا يجزم، يعجز عن وصفه اللسان. وأبلغ بيان ما سافر فيه النظر.
ولعل التأتي بين الألفاظ وملاءمة ذات بينها لإقرار التناسب هو سرُّها وجوهرها وتلك هي الصناعة الفنية: تتناول السر فتعلنه، وتلمس المقيد فتطلقه، وتستدرك النقص فتتمه، وتكشف الجمال فتظهره.
(فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ...(77)
قال الزركشي: استعمل (أراد) في معنى مقاربة السقوط لأنه من لوازم الإرادة ... ولم يرد باللفظ هذا المعنى الحقيقي الذي هو الإرادة ألبتَّةَ. وقال الزمخشري: الإرادة: المداناة والمشارفة.
وقال الآلوسي: إسناد الإرادة إلى السقوط من المجاز.
اقول: تضمن (أراد) معنى (أوشك وقارب وشارف) . فجمع المعنيين الحقيقي والمجازي بالرمز والإيماء من طريق يخفى ومسلك يدق؛ لا يأتيك مصرحا بذكره مكشوفا عن وجهه، مفصحا عن غرضه. ولو أفصح وقال: جدارا يكاد يسقط أو شارف السقوط، لما كان في مساغ ما جاء عليه لأن صرف اللفظ إلى المجاز يقتضي نسخ الحقيقة، فكان حمله على المشترك اللفظي أولى، بل أوجب، إذا ثبت بقيام الدليل على أن كلا منهما مراد.