أقول: ها هو صاحبه الفقير لا مال عنده ولا ثمر، لكنه معتز بربه، بعقيدته وإيمانه، يخاطب صاحبه المغرور، منكرا عليه بطره وكِبره، مذكرا إياه بمنشئه المهين من ماء وطين، وينذره عاقبة الكبرياء ...
إنها عزة المؤمن، لا تعرف المداراة مع الأغنياء، ولا تبالي بأصحاب الجاه أو السلطان، ولا تجامل مع الأصحاب تجهر بالحق في أقسى الظروف: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) ؟! فالتسوية هنا عائدة على النشأة (مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) وقد تضمنت معنى (الجعل والتصيير) فتعدت إلى مفعولين.
ونصب (رجلا) على الحال جائز، وليس بالوجه، إنما الوجه تضمين سوَّى معنى صير المتعدي لمفعولين، فالتضمين جمع المعنيين: تسوية اللَّه إياه بالقدر والكيفية على ما اقتضت حكمته فيما يصان عن الإفراط والتفريط، وتصييره رجلا ولا كالرجال.
وهكذا فاز التضمين بالحسنيين: فالوصية به والعمل عليه.
جمع الخلتين حُسناً وقدْرا ... إن هذا من فعل من يتمرَّى
(قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا(66)