قَالَ بَعْضُهُمْ: الشيطان إذا ذُكِرَ اللَّه ولى عنه أوأعرض، وفرَّ منه، وهو ما ذكر: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ...) الآية، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا...) الآية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا) : الإنس، أي: ولوا عما دعوهم إليه، وأقبلوا نحو أصنامهم التي عبدوها.
وقوله: (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ) يحتمل: وإذا ذكرت دلالة وحدانية ربك وألوهيته وربوبتته، أو ذكرت دلالة رسالاتك أو دلالة البعث، يحتمل ذكر دلالة هذه الأشياء الثلاثة؛ لأنهم كانوا منكرين لهذه الأشياء؛ فعند ذلك ذكرها.
يولون على أدبارهم نفورًا: يحتمل الهرب والإعراض، ويحتمل الكناية عن الإنكار والتكذيب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا(47)
كأنهم يستمعون إلى القرآن: إما لما يستحلون نظمه ورصفه، أو يستمعون إليه؛ لما فيه من الأنباء العجيبة، أو يستمعون إليه؛ ليجدوا موضع الطعن فيه، فإن كان استماعهم للوجهين الأولين فإذا جاء موضع الخلاف والتنازع، وهو ما يذكر فيه من دلالة الوحدانية ودلالة الرسالة ودلالة البعث، عند ذلك كانوا يولون الأدبار نافرين؛ لإنكارهم، وإن كان الاستماع لطلب الطعن - فهو محتمل أيضًا.
واختلف في قوله: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ) .
قيل: كانوا يستمعون إليه ليكذبوا عليه؛ كقوله: (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ(36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ)، كانوا يسرعون إلى استماع ما يقول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليكذبوا عليه.