{وَلَّوْاْ على أدبارهم نُفُوراً} ، أي أعرضوا تباعداً عن الإيمان ؛ وقال القتبي: ولوا على أدبارهم هرباً وهو مثل ما قال مقاتل ؛ وذلك حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:
"قُولُوا لا إله إلاَّ اللَّهُ تَتَمَلَّكُوا بِهَا العَرَبَ وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا العَجَمُ"فنفروا من ذلك.
ثم قال: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ} ، يعني: بالقرآن.
{إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} أي إلى قراءتك القرآن.
{وَإِذْ هُمْ نجوى} ، يعني: يتناجون فيما بينهم.
{إِذْ يَقُولُ الظالمون} ، أي يقول المشركون للمؤمنين: {إِن تَتَّبِعُونَ} ، يعني: ما تطيعون {إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا} ، يعني: مقلوب العقل.
وذكر القتبي ، عن مجاهد أنه قال: مسحوراً أي مخدوعاً ، لأن السحر حيلة وخديعة ، كقوله {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 89] أي من أين تخدعون.
وذكر عن أبي عبيدة قال: السَّحر الرئة.
يقال للرجل: انتفخ سَحرك ، إذا جبن ، يعني: إن تتبعون إلا رجلاً ذا رئة ، أي بشراً مثلكم.
ثم قال: {انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال} ، أي وصفوا لك الأمثال حيث قالوا: ساحر أو مجنون.
{فُضّلُواْ} ، أي أخطأوا في المقالة فتحيروا.
{فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} ، أي لا يجدون مخرجاً مما قالوا لتناقض قولهم ، لأنهم قالوا مرة: ساحر والساحر عندهم المبالغ في العلم ، ومرة قالوا: مجنون والمجنون عندهم من هو في غاية الجهل.
قال ابن الصائب: وذلك أن أبا سفيان بن حرب ، والنضر بن الحارث وغيرهم ، كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستمعون إلى حديثه ، فقال النضر ذات يوم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه: ما أدري ما يقول محمد ، غير أني أرى شفتيه تتحركان.
فقال أبو جهل: هو مجنون ؛ وقال أبو لهب: بل هو كاهن ؛ وقال حويطب: بل هو شاعر.