فنفى الحق سبحانه عن رسوله هذه الصفة ، وأثبت له صفة الخُلق العظيم ، والمجنون لا خُلقَ له ، ولا يُحاسَب على تصرفاته ، فهو يشتم هذا ويضرب هذا ويبصق في وجه هذا ، ولا نملك إلا أنْ نبتسم في وجهه ونُشفِق عليه.
ولقائل أنْ يقول: كيف يسلبه الخالق سبحانه وتعالى نعمة العقل ، وهو الإنسان الذي كرّمه الله؟ وكيف يعيش هكذا مجرد نسخة لإنسان؟
ولنعلم الحكمة من هذه القضية علينا أنْ نُقارن بين حال العقلاء وحال المجنون ، لنعرف عدالة السماء وحكمة الخالق سبحانه ، فالعاقل نحاسبه على كل كبيرة وصغيرة ومقتضى ما تطلبه من عظمة في الكون ، ومن جاه وسلطان ألاَ يُعقّب على كلامك أحد ، وأنْ تفعلَ ما تريد.
أَلاَ ترى أن المجنون كذلك يقول ويفعل ما يريد ، ثم يمتاز عنك أن لا يسأل في الدنيا ولا في الآخرة؟ أليست هذه كافية لتُعوِّضه عن فقد العقل؟ فلا تنظر إلى ما سلب منه ، ولكن إلى ما أعطاه من مَيْزات في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً { [الإسراء: 48]
أي: لم يستطيعوا أنْ يأتُوا بمثَلٍ يكون صَاداً وصارفاً لمن يؤمن بك أنْ يؤمن ، فقالوا: مجنون وكذبوا. وقالوا: ساحر وكذبوا وقالوا: شاعر وكذبوا. وقالوا: كاهن وكذبوا. فَسُدّتْ الطرق في وجوههم ، ولم يجدوا مَنْفَذاً لِصَدِّ الناس عن رسول الله.
فلما عجزوا عن إيجاد وَصْف يصدُّ مَنْ يريد الإيمان برسول الله ، قالوا: {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]
ومنهم من قال: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31]