والمعنى نحن أعلم بما يستمعون به مما لا خير فيه مما سمعت وبما يتناجون به فيما بينهم ، وجوز أن يكون الأول ظرفاً ليستمعون والثاني ظرفاً فليتناجون ، والمعنى نحن أعلم بما به الاستماع وقت استماعهم من غير تأخير وبما به التناجي وقت تناجيهم والأول أظهر ، و {نجوى} مصدر مرفوع على الخبرية وفي ذلك ما في زيد عدل ، ويجوز أن يعتبر جمع نجى كقتل وقتيل أي إذ هم متناجون {إِذْ يَقُولُ الظالمون} بدل من إذ الثانية وبيان لما يتناجون به فهو غير ما يستمعون به لا معمول لا ذكر محذوفاً كما قيل.
و {الظالمون} من المظهر الذي أقيم مقام المضمر للدلالة على أن تناجيهم باب من الظلم أي يقول كل منهم للآخرين عند تناجيهم {إِن تَتَّبِعُونَ} أي ما تتبعون إن وجد منكم الاتباع فرضاً ، وجوز أن يكون المعنى ما تتبعون باللغو والهزء {إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا} أي سحر فجن فهو كقولهم: إن هو إلا رجل مجنون ، وقيل: جعل له سحر يتوصل بلطفه ودقته إلى ما يأتي به ويدعيه فهو في معنى قولهم ساحر ، وجعل بعضهم {مَّسْحُورًا} بمعنى ساحراً كمستور بمعنى ساتر ، وعن أبي عبيدة أن مسحوراً بمعنى جعل له سحر أو ذا سحر أي رئة ، ومن هذا قول أمرء القيس:
أرانا موضعين لأمر غيب...
ونسحر بالطعام وبالشراب
وأراد نغذي ، وقول لبيد أو أمية بن أبي الصلت:
فإن تسألينا فيم نحن فإننا...
عصافير من هذا الأنام المسحر
وكنوا بذلك عن كونه بشراً يتنفس ويأكل ويشرب لا يمتاز عنهم بشيء يقتضي اتباعه على زعمهم الفاسد ، ولا يخفى ما فيه من البعد حتى قال ابن قتيبة: لا أدري ما الذي حمل أبا عبيدة على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة.
وقال ابن عطية: إنه لا يناسب قوله تعالى:
{انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ}