بيد أنه رضي الله عنه وكرم الله وجهه، أنكر عليهم باطلهم دون أن يقابل تهمتهم بمثلها، أو يكفرهم كما كفّروه، بل استبقاهم في دائرة الإسلام، إحساناً للظن بهم، وحملاً لحالهم على أحسن المحامل.
وسأله بعض النّاس عن الخوارج: أكفّار هم؟ فكان جوابه: من الكفر فرّوا .. قيل له: فما هم؟! قال: إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم!
فلهم إذن حكم البغاة المناوئين، لا حكم الكفار المرتدين.
والبغاة هم الذين يخرجون على الإمام العادل بتأويل وشبهة عندهم.
وهؤلاء إذا كانوا ذوي شوكة وشهروا السلاح في وجه الإمام، فلا ينبغي أن يبادرهم بالقتال، بل عليه أن يرسل إليهم من يزيح عنهم الشبهة، ويقيم عليهم الحجة، ويجادلهم بالتي هي أحسن، حقنًا لدماء المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، ما وجد إلى ذلك سبيلاً.
فإن أصروا على موقفهم، وأبوا إلا القتال، قوتلوا حتى يفيئوا إلى أمر الله. وفي المعركة: لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا تسبى نساؤهم، ولا تغنم أموالهم. فإنما هم مسلمون، يقاتلون لدفع أذاهم، وردهم إلى حظيرة الوحدة، لا لاستئصال شأفتهم، وإبادة خضرائهم.
فإذا كفّوا أيديهم وأعلنوا الطاعة في المعروف، وجب الكف عنهم، وإن بقوا على رأيهم. إن الآراء لا تنزع من العقول بالقتال، ولا تفرض على النّاس بالسيف.
وقد ورد عن الإمام علي هنا أيضاً موقف جدير أن يروى وينشر، لما فيه من برهان على أن حرية الرأي - ورأي المعارضة على الخصوص - بلغت في فجر الإسلام مبلغاً لم يرتق إليه العالم إلاّ بعد قرون وقرون.
فقد أنكر الخوارج على عليٍّ رضي الله عله رضاه بالتحكيم، فقالوا كلمتهم المعروفة:"لا حكم إلاّ لله"فردّ عليهم بقوله التاريخي البليغ:"كلمة حق يراد بها باطل"!
ومع إنكارهم عليه، ومعارضتهم له قال لهم في صراحة وجلاء:
"لكم علينا ثلاث: ألاّ نمنعكم من المساجد .. ولا من رزقكم من الفيء .. ولا نبدأكم بقتال، ما لم تحدثوا فساداً".
فضمن لهم حرية العبادة في مساجد المسلمين، وإن خالفوا جمهورهم في الرأي .. كما ضمن لهم حقوقهم في الفيء ونحوه .. وألاّ يشهر عليهم سلاح ما لم يبدؤوا هم بالعدوان وإحداث الفساد.