وفي جو الحرية تظهر الأفكار في النور، فيمكن لأهل العلم مناقشتها، وتسليط أضواء النقد عليها، فتثبت وتبقى، أو تختفي وتذهب، أو تعدّل وتهذب، بدل أن تظل في ظلام السراديب التحتية، تلقن بلا مناقشة، وتطرح بلا معارضة، وتتفاقم وتستفحل يوماً بعد يوم، حتى يفاجأ الناس بها، وقد شبت عن الطوق، ولم يشهدوا قبل ذلك ولادتها ولا طفولتها.
إن علينا أن نستحضر أن هذا التطرف مصدره الفكر، ولهذا ينبغي أن يكون علاجه بالفكر أيضاً، فلا يفل القلم إلاّ القلم، ولا يقاوم الشبهة إلا الحجة، ولا يعارض كلام اللسان بكلم السنان.
ومن أكبر الخطأ اللجوء إلى القوة والبطش، لتصفية هذا الفكر، ومطاردة أهله، فإنه يختفي بالاضطهاد ولا يموت، ويكمن كمون النار في الكبريت ولا يزول.
إنما الواجب مخاطبة العقول المبلبلة حتى تستقيم، وطول الحوار بالحسنى حتى يزول اللبس، ويتضح الصبح لذي عينين، حتى وإن حملوا السلاح يجب أن يؤخذ منهم السلاح ولا يضربوا به.
أما دعاة"الأيديولوجيات"الانقلابية، ورجال المخابرات والمباحث، الذين ينادون بالسحق حتى العظم، والتعذيب حتى الموت، والتصفية حتى آخر فرد، فهم بهذا لا يقضون على التطرف، بل يزيدون ناره اشتعالاً، كل ما يستطيعونه أن يقصوا أجنحته حيناً من الدهر، ولكن سرعان ما ينبت الريش المقصوص، ويحلق الطائر المهيض الجناح!
حتى لو استطاعوا بالتصفية الجسدية أن يقضوا على جماعة متطرفة، فإنهم في نفس اللحظة يهيئون لميلاد جماعة بل جماعات أخرى قد تكون أشد تطرفاً وعنفاً.
ومن ثم كان واجبنا الأول العمل على تكوين وعي إسلامي رشيد، يقوم على فقه مستنير لأحكام الإسلام .. فقه ينفذ إلى الأعماق، ولا يقف عند السطوح، ويهتم باللباب قبل الاهتمام بالقشور .. فقه يرد الفروع إلى الأصول، والجزئي إلى الكلي، والظني إلى القطعي، ويأخذ الأحكام من المنابع الأصلية، غير مكتف بالقنوات الفرعية.
وإيجاد مثل هذا النوع من الوعي والفقه أمر ليس بالهين، وتحويل الإنسان من فكر اعتنقه وآمن بصحّته - صواباً كان أم خطأَ - يحتاج إلى جهد صادق، وصبر مصابر، واستعانة بالله.