فإذا كان النبات لا يؤتي أكله إلا بعد أشهر أو سنة، وبعض الشجر لا يثمر قبل سنوات عدة، فبعض الأعمال الكبيرة لا تقطف ثمارها إلا بعد عقود من السنين، وكلما كان العمل عظيماً كانت ثمرته أبطأ، كما قيل: أبطأ الدلاء فيضاً أملؤها.
وقد يبدأ جيل عملاً تأسيسياً ذا شأن، فلا يستفيد إلاّ منه الجيل الثاني أو الثالث أو ما بعد ذلك، ولا ضير في هذا مادام كل شيء يسير في خطه المعلوم وطريقه المرسوم.
وقد كان المشركون في مكة يسخرون من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قوله: إن العاقبة له ولمن آمن به، وإن العذاب لمن صدّ عنه. فكانوا يستعجلونه هذا العذاب الذي خوفهم به، جاهلين أن لكل شيء موعداً لن يخلفه (( ويستعجِلونك بالعذابِ ولولا أجلٌ مسمى لجاءهم العذابُ وليأتينهم بغتةً وهم لا يشعرون ) ) [العنكبوت:53] (( ويستعجلونك بالعذابِ ولن يخلِف الله وعده وإنّ يوماً عند ربِّك كألفِ سنةٍ مما تعدّون ) ) [الحج:47] .
ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم أن يصبر على قومه، كما صبر إخوانه أولو العزم من الرسل من قبل، ولا يستعجل لهم العذاب كما يستعجلون (( فاصبر كما صبر أولوا العزْم مِن الرُسل ولا تستعجل لهم ) ) [الأحقاف:35]
وضرب له وللمؤمنين معه مثلاً بمن خلا قبلهم من أصحاب الرسالات، وكيف صبروا على شدة الابتلاء، وطول الطريق، وصعوبة انتظار النصر (( أمْ حسبتُم أن تدخلوا الجنّة ولما يأتِكم مثل الذين خلوا مِن قبلكم مسّتْهم البأساء والضرّاء وزُلزِلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إنّ نصر الله قريبُ ) ) [البقرة:214]
أجل، إن نصر الله قريب، ولكن له موعد وأجل مسمى عند ربنا، ولا يعجل الله بعجلة أحد من خلقه.
ومن أجل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه بالصبر، ويربيهم عليه، وألا يستعجلوا النصر قبل أوانه.