إن أحداث التاريخ تتكرر وتتشابه إلى حد كبير لأن وراءها سنناً ثابتة تحركها وتكيّفها، ولهذا قال الغربيون: التاريخ يعيد نفسه. وعبر العرب عن هذا المعنى بقولهم: ما أشبه الليلة بالبارحة!
والقرآن الكريم أشار إلى تشابه المواقف والأقوال والأعمال، نتيجة لتشابه الأفكار والتصورات التي تصدر عنها. وفي هذا جاء قوله تعالى: (( وقال الذين لا يعلمون لولا يُكلِّمُنا الله أو تأتينا آيةٌ كذلك قال الذين مِن قبلهم مِثل قولِهم، تشابهت قُلوبهم ) ) [البقرة:118] .
وقال تعالى عن مشركي قريش: (( كذلِك ما أتى الّذين مِنْ قبلهم منْ رسولٍ إلاّ قالوا ساحرُ أو مجنونٌ. أتواصو بِه بل هم قومٌ طاغون ) ) [الذاريات:52 - 53] .
أي: إن هذا الاشتراك والتشابه في الموقف من الرسل، بين الأولين والآخرين، والمسارعة إلى الاتهام بالسحر أو الجنون، لم ينشأ نتيجة تواص بين هؤلاء وأولئك، بل السبب أنهم جميعاً طغاة ظالمون، فلما تشابهوا في السبب، وهو الطغيان، تشابهوا في النتيجة.
ومن عرف التاريخ وسنن الله فيه، وكان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، تعلّم من أخطاء الآخرين، وكان له بهم عظة، فالسعيد من وعظ بغيره، واقتبس مما عندهم من خير، فالحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها. .
سنتان مهمتان من سنن الله
ومن السنن المهمة التي يغفل عنها المتحمسون والمتعجلون سنتان مهمتان هما:
1 -سنة التدرج.
2 -وسنة الأجل المسمى.
سنة التدرج:
فأما التدرج فهو سنة كونية، وسنة شرعية أيضاً.
ولهذا خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، وكان قادراً أن يقول: كوني فتكون، ولكنه خلقها في أيام ستة من أيام الله تعالى، أي في ستة أطوار أو أزمنة يعلمها الله، فليست هي أيامنا هذه إذ هي قبل خلق الشمس والأرض وما يتبعهما من ليل أو نهار.
وكذلك نرى خلق الإنسان والحيوان والنبات، كلها تتدرج في مراحل حتى تبلغ نماءها وكمالها.