وقوله تعالى: {فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} أي: الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل . فالسبل مجاز عن طرق العمل وأنواعها ، أو على حقيقتها . أي: إذا أكلت الثمار في المواضع النائية ، فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك ، لا تتوعَّر عليك ولا تضلين فيها . و (ذللاً) جمع ذلول ، حال من (السبل) أي: مذللة ذللها الله لك وسهلها . فهي تسلك من هذا الجو العظيم ، والبراري الشاسعة والأودية والجبال الشاهقة . ثم تعود كل واحدة منها إلى بيتها لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة . وقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ} استئناف ، عدل به عن خطاب النحل ؛ لبيان ما يظهر منها من عجيب صنعه تعالى ؛ تعديداً للنعم ، وتنبيهاً على العبر ، وإرشاداً إلى الآيات العظيمة من هذا الحيوان الضعيف . وسمي العسل شراباً ؛ لأنه يشرب مع الماء وغيره: {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} أي فمنه أبيض وأصفر وأحمر ؛ لاختلاف ما يؤكل من النَّور أو مزاجها: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} لأنه من جملة الأشفية والأدوية في بعض الأمراض . وله دخل في أكثر ما به الشفاء والمعاجين ، وقلَّ معجون من المعاجين ، لم يذكر الأطباء فيه العسل . وقد قام الآن مقامه السكر ، لكثرته بالنسبة إليه . وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه فقال: ( اسقه عسلاً ) فذهب فسقاه عسلاً ، فقال: يا رسول الله ! سقيته عسلاً ما زاده إلا استطلاقاً . قال: ( اذهب فاسقه عسلاً ) فذهب فسقاه عسلاً ثم جاء فقال: يا رسول الله ! ما زاده إلا استطلاقاً . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( صدق الله وكذب بطن أخيك ، اذهب فاسقه عسلاً . فذهب فسقاه عسلاً فبرأ ) .