ثمّ رجع من الخبر إلى الخطاب فقال: {تالله لَتُسْأَلُنَّ} يوم القيامة {عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} في الدنيا {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سُبْحَانَهُ} وهم خزاعة وكنانة قالوا: الملائكة بنات الله سبحانه.
{وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} يعني البنين ، وفي قوله: {مَا} وجهان من الأعراب: أحدهما الرفع على الابتداء ، ومعنى الكلام: يجعلون لله البنات ولهم البنين ، والثاني: النصب عطفاً على البنات تقديره: ويجعلون لله البنات ويجعلون لهم البنين الذي يشتهون.
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً} من الكراهة {وَهُوَ كَظِيمٌ} ممتليء غماً وغيظاً {يتوارى} يخفى ويغيب {مِنَ القوم مِن سواء مَا بُشِّرَ بِهِ} من الخزي والعار والحياء ثمّ يتفكر {أَيُمْسِكُهُ} ذكر الكناية لأنه مردود إلى (ما) {على هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ} يخفيه {فِي التراب} فيئده.
وذلك أن مضر وخزاعة وتميماً كانوا يدفنون الإناث أحياء زعموا خوف الفقر عليهن وطمع غير الأكفاء فيهن ، وكان صعصعة عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه إلى والد البنت يستحييها بذلك ، ولذلك قال الفرزدق:
ومنا الذي منع الوائدات ... فأحيا الوئيد فلم يوأد
{أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} بئس ما [يجعلون لله الإناث] ولأنفسهم البنين ، نظيره قوله تعالى: {أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى} [النجم: 2122] .
{لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة} يعني لهؤلاء الواضعين لله سبحانه البنات {مَثَلُ السوء} احتياجهم إلى الأولاد وكراهيتهم الإناث منهم أو قتلهم إياها خوف الفقر وإقراراً على أنفسهم بالهتك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم"أكبر الكبائر أن تدعو لله ندّاً وهو خلقك ، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك وأن تزني بحليلة جارك".
{وَلِلَّهِ المثل الأعلى} الصفة العليا وهي التوحيد والإخلاص.