والنوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآيات الاستدلال بعجائب أحوال الحيوانات وهو قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِى الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِي بُطُونِهِ} قد ذكرنا معنى العبرة في قوله: {لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار} [آل عمران: 13] وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم ، وحمزة والكسائي: {نُّسْقِيكُمْ} بضم النون ، والباقون بالفتح ، أما من فتح النون فحجته ظاهرة تقول سقيته حتى روى أسقيه قال تعالى: {وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} [الإنسان: 21] وقال: {والذي هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ} [الشعراء: 79] وقال: {وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً} [محمد: 15] ومن ضم النون فهو من قولك أسقاه إذا جعل له شراباً كقوله: {وأسقيناكم مَّاء فُرَاتاً} [المرسلات: 27] وقوله: {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} [الحجر: 22] والمعنى ههنا أنا جعلناه في كثرته وإدامته كالسقيا ، واختار أبو عبيد الضم قال لأنه شرب دائم ، وأكثر ما يقال في هذا المقام أسقيت.
المسألة الثانية:
قوله: {مما في بطونه} الضمير عائد إلى الأنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها ، وذكر النحويون فيه وجوهاً: الأول: أن لفظ الأنعام لفظ مفرد وضع لإفادة جمع ، كالرهط والقوم والبقر والنعم ، فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد ، وهو التذكير ، وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع ، وهو التأنيث ، فلهذا السبب قال ههنا {فِي بُطُونِهِ} ، وقال في سورة المؤمنين: {فِى بُطُونِهَا} [المؤمنون: 21] .
الثاني: قوله: {فِي بُطُونِهِ} أي في بطون ما ذكرنا ، وهذا جواب الكسائي.
قال المبرد: هذا شائع في القرآن.
قال تعالى: {فَلَماَّ رَأَى الشمس بازغةً قَالَ هذا رَبّى} [الأنعام: 78] يعني هذا الشيء الطالع ربي.